مقالات الرأي

هكذا تآمروا على الثورة

إنه ليس اتهامًا اعتباطيًا أو جزافيًا، وإنما هو توصيف لواقع الحال ومجريات ما يدور على أرض الواقع، بعيدًا من البيانات والخطابات التي لا تُسمن ولا تُغني.

في الأصل، لم يكن للشعب السوري الثائر علاقة باختيار الأسماء التي تُمثّله، سواء في الائتلاف أم الهيئة التفاوضية، والتي كثير منها لم يكن معروفًا قبل انطلاق الثورة، ولم يكن يعرف الطريقة التي تمّ من خلالها اختيار هؤلاء الذين تمسّكوا بمناصبهم أكثر من تمسّك بشار الأسد بكرسي الرئاسة، رغم أن إنجازاتهم بدأت من الصفر، ثم انحدرت وما زالت تواصل انحدارها حتى اليوم.

اختصارًا، من أجل الولوج في جوهر القضية، سأحاول مناقشة موقف الائتلاف وهيئة التفاوض من حدثين مفصليين في العملية السياسية، هما مؤتمر سوتشي ومؤتمر أستانا بحلقاته المتتالية، التي وصلت إلى الرقم تسعة مع الدعوة للرقم عشرة بعد شهر من الآن. قامت روسيا، التي تحاول بشتى السبل والطرق الهروبَ من جنيف والقرار الدولي 2245، بابتكار أسمته أستانا، وهي عاصمة كازاخستان التي تُحلّق في الفلك الروسي وتأتمر بأوامر موسكو، وبالتالي لا فرق إن تمّت هذه الاجتماعات في موسكو أم في أستانا، إلا أن الروس مارسوا الكذب العلني بالإدعاء أن أستانا محايدة، وانطلاقًا من علمنا ومعرفتنا بهدف موسكو من هذا المسار، نسأل السؤال التالي: ما هو الموقف الحقيقي للائتلاف والهيئة العليا للتفاوض من مسار أستانا، ولا سيّما بعد أن شاهدنا نتائجه الكارثية على الأرض، بعد أن تحوّلت مناطق خفض التصعيد إلى مناطق مُهجّرة تحت التهديد بالإبادة؟

الائتلاف هو شريك في مسار أستانا، من خلال مشاركة بعض أعضائه ومناصريه، وليس من المقبول الإدعاء بأن من حضر من الائتلاف يُشارك بصفته الشخصية، فالائتلاف لم يجرؤ أن يعلن يومًا أنه ضد مسار أستانا أو مخرجاته ونتائجه، ولَم يوجّه حتى مجرد اللوم والعتب إلى أعضائه المشاركين، لا سيّما أن المشاركة في هذا المسار كانت متكررة، وعلى مدار أكثر من عامين كنّا نسمع سقفًا مرتفعًا للخطاب تجاه روسيا، وعلى أرض الواقع كان العكس تمامًا.

كذلك، لم نسمع للائتلاف أو للهيئة التفاوضية موقفًا من وجود شخصٍ ليس طرفًا فيهما، ولا يقود فصيلًا عسكريًا، ولا هو مكلف بأي مهمة سياسية أو عسكرية في الثورة، يذهب ليتفاوض مع ثلاث دول دون أن يُمثّل أكثر من نفسه! إن عدم توجيه النقد لحضور مثل هذا الشخص ما هو إلا دليل تآمر وتواطؤ، خاصة أن حضوره قد تمّ بعلمهم ومعرفتهم ومباركتهم، وهم راضون عن النتائج التي وصل إليها مسار أستانا، من خلال تجزئة الأرض بهدن فردية وهمية، ثم الانقضاض عليها وتهجيرها لصالح سيطرة النظام.

أليس من الغريب أن يكون عضو الائتلاف المشارك في أستانا من محافظة الحسكة التي لا عمليات عسكرية فيها، ولا وجود للجيش الحر أو غيره من الفصائل المقاتلة؟ أليس من الغريب أن يذهب لأستانا ضابط منشق لا يملك مقاتلًا واحدًا على الأرض؟

سلسلة من الأسئلة تكشف عن سلسلة من الفضائح، وجميعها تدين الائتلاف السوري المعارض وهيئة التفاوض، وتؤكد أن جميعهم متآمرون، عن سبق الإصرار؛ كونهم يعلمون أن مسار أستانا هو ضد مصلحة الشعب السوري.

أما بالنسبة إلى مؤتمر سوتشي، الذي رفض الائتلاف وهيئة التفاوض الاشتراك فيه على مستوى الخطب الرنانة، فقد رحّب الائتلاف والهيئة التفاوضية بمخرجاته، ووافقوا على مناقشة الدستور، علمًا أن الدستور مطروح للنقاش في جنيف، وكان قبل ذلك أن سحبت موسكو ملف المعتقلين من جنيف إلى أستانا، وتمّ تشكيل مجموعة عمل في أستانا لهذا الملف، وبعدها تم وضع اللجنة والملف في أدراج الكرملين.

أليس ذلك تآمرًا على الثورة، حين تتخلى هيئة التفاوض عن أهم ملفاتها لصالح مسار سوتشي؟ خاصة بعد تصريحات المبعوث الروسي في أستانا التي قال فيها إن مسار جنيف متعثر، ويجب استبداله بمسار أستانا؟!

كل هذا الصمت الذي تختبئ خلفه الهيئة والائتلاف، تجاه روسيا ومساراتها ما هو إلا تآمر للالتفاف على القرار الدولي 2245، وإفراغه من مضمونه، ويبقى السؤال الأخير: هل تآمر هؤلاء على الثورة وأهدافها راغبين أم مُكرهين؟ أغلب الظن أنهم كانوا راغبين، لأنه لا يوجد قوة تستطيع إجبار “ثوري” على اتخاذ موقف ضد ثورته، وإن حدثت محاولة الإرغام؛ فسيكون موقفه الاستقالة.

مقالات ذات صلة

إغلاق