أدب وفنون

التضليل المنظّم ومقتضيات التشكيل السريالي

.. لم تُطلِق السريالية نداءها الأول لإعادة بناء لغة الفن التشكيلي، ولم تبدأ ببيان أندريه بروتون كما يُعتقد؛ لقد استعملت الكلمة أول مرّة عام 1917، حين وصف الناقد الفرنسي والمؤلف المسرحي غيوم أبوللينير مسرحية (ثديا تيريزياس) بأنها مسرحية سريالية، وقام باستعمال هذا الوصف للوحات مارك شاغال أيضًا. ثم أخذ بعض النقّاد يستعمل هذا الوصف، لكل اتجاه يطمح إلى تقديم ما هو أبعد من الواقع، وأعلى منه، ثم جاء بيان أندريه بروتون عام 1924، الذي أراد فيه للفكر أن يعبّر بعيدًا عن رقابة العقل: اعمل على أن يُجلب لك ما يُمكنك من الكتابة، بعد أن تكون جلست في مكان أكثر ما يكون ملاءمة لتمركز ذهنك على نفسه، وضع نفسك في حالة أكثر ما تكون من السلبية أو الانفعالية، قدر ما تستطيع، واصرف نظرك عن عبقريتك؛ ومواهبك؛ ومواهب جميع الآخرين. قل لنفسك إنّ الأدب هو أتعس الطرق التي تؤدي إلى كل شيء. اكتب بسرعة دون قراءة ما كتبت، فالجملة الأولى ستحضر من تلقاء نفسها، لأن في كل ثانية هناك جملة غريبة عن فكرنا الواعي لا تريد إلاّ الخروج إلى حيّز الوجود.

إنّ هذه الأهمية التجريبية للكتابة الميكانيكية، لم تلبث أن امتدت إلى الفن التشكيلي، حيث صرّح أندريه بروتون باسم الرسامين السرياليين، بأن الخطأ المرتكب هو في الاعتقاد أنّ النموذج لا يمكن اقتباسه إلا من العالم الخارجي، أو لا يمكن اقتباسه إلا منه فقط. ولهذا شنّ هجومه على العقل، مطالبًا الفن أن يكون تعبيرًا مباشرًا عن الذات. وأفضل وسيلة لتوضيح الأسلوب السريالي، هي القول بأن السريالية تريد من الفنان أن يرسم وهو مغلق العينين، ليُعبّر بشكل مباشر وآلي عمّا يتداعى في نفسه. هذه الدعوة التي تقاطعت مع اكتشافات العالم النمساوي سيغموند فرويد الذي انهار على يديه الجدار الفاصل بين الوعي واللاوعي؛ ذلك الانهيار الذي كشف أن الإنسان لم يكن سجين الطبيعة، وانتصاراته عليها فقط؛ بل كان سجين نفسه أيضًا. ثمة رأي سابق على ذلك التاريخ للفنان الروسي فاسيلي كاندينسكي، في مقال له نُشر عام 1913 يقول فيه: سمعت من يقول إن فنانًا معروفًا قد صرّح أنه من أجل الرسم، لا بدّ من نظرة على الشاشة، ونصف نظرة على خشبة الألوان، وعشر نظرات على النموذج. كانت تلك قاعدة جميلة، لكنني اكتشفت بسرعة أن تأثيرها عليّ كان باتجاه معكوس: عشر نظرات على الشاشة، ونظرة واحدة على خشبة الألوان، ونصف نظرة على الطبيعة. ثم جاءت السريالية وألغت هذه (النصف نظرة). هذا الدور الذي سبق ولعبته في الشعر، هو الذي جلب لميدان الرسم تفسيرًا جديدًا، انطلاقًا من الموضوعات التي يقدّمها اللاوعي، والصدفة، والجنون، والأحلام، والرؤيا، والنشوة، والسخرية، ومجموع الحالات النفسانية القابلة لأن تخلق في مخيلة الفنان مناطق (التضليل المنظّم)، التي يجب على الفنان أن يحددها، ويملأها بالسكان، كما يقول موريس رينال، فالتشكيل السريالي يبحث عن كشف واقع لا علاقة له مع الواقع الخارجي، ولا مع قوانين الفن، إذ إن دور الرسام هو إبراز ما يُرى في ذاته. من حيث النتيجة، وهذا ما جعل هانس آرب يقترح تسميته الفن العيني، بدل الفن المجرد، لأنه، لمّا كان غير مدين بأيّ شيء للطبيعة، فهو نفسه طبيعة جديدة. ولكن هذه الطبيعة الجديدة لم تأت من فراغ، إنها الوريثة المتممة للحركات الفنية التي سبقتها، وقد لا يكون لها وجود لولاها؛ يقول إدوارد لوسي سميث: إن التغيرات السريعة والعنيفة التي طبعت الفن المعاصر بطابعها، استطاعت أن توصلنا إلى عدة حقائق، أهمها أن هذه المدارس الفنية تمثل تكثيفًا وازدهارًا لأفكار كانت موجودة قبل الحرب العالمية، لهذا نلاحظ أن جذور التعبيرية موجودة في السريالية، وأن جذور فن التجمع والفن الجماهيري ترجع إلى الدادائية، أما الفن الحركي والبصري فهما يرجعان إلى تجارب الباوهاوس، وفن المينمال يجمع بين الدادا وتأثيرات الباوهاوس. مما يؤكد قول هربرت ريد: مهما كان هؤلاء الفنانين خياليين في لوحاتهم، إلا أنهم موجهين في عملهم بتصور جمالي مسبق. وبالتالي سيكون للواقع حضوره، عبر علاماته، وهذا الحضور قد تجلّى في تناسق الألوان عند (ميرو)؛ والتكوينات المتوازنة عند دالي؛ والإيقاع الحركي عند ماسون؛ والشكل الرمزي عند أرنست؛ ما جعل السرياليين يصلون إلى حقيقة أساسية، وهي أن الفن يرتبط باللاشعور الجمالي للإنسانية، ولهذا نراهم أعطوا الجمال صفة حدسية، لا شعورية. ولمعرفة النزعة الكامنة خلف مقاصد إخضاع مناطق التضليل المنظم لمقتضيات التشكيل السوريالي، لا بدّ من الرجوع إلى الجذر السيكولوجي، والبحث عن الآثار الأولى للنشاط التخيّلي في حياة الفنان، ذلك النشاط الذي يمارسه الطفل في حالة اللعب. يرى فرويد أن مملكة الخيال هي احتياطي نُظّم أثناء الانتقال المؤلم من مبدأ اللذة إلى مبدأ الواقع، بغية إفساح المجال لبديل عن الإشباع الغريزي الذي يجب التخلي عنه في الحياة الواقعية. إذًا، هي حالة استعادة، أو مبادلة بين الرغبات الماضوية، والإبداع عبر التخييل في الحاضر، فالنشاط الذي يمارسه الطفل عند اللعب، يقابله النشاط الذي يمارسه الفنان في حالة الرسم، فالفنان والطفل كلاهما يبدع عالمًا من الخيال، ثم ينظر إليه بمنتهى الجدية، ولو أننا استطعنا أن نفصل بين الشعور الفني من جهة، والمبدأ الفني من جهة أخرى، ربما سنتمكن آنذاك من معرفة الدوافع بدقة أكثر، فحركة النزوح النفسي من الخارج إلى الداخل، التي طالب بها منظرو السريالية، تذكّرنا ببعض المبادئ الصوفية: يقول ابن عربي في الفص الرابع عشر من فصوص الحكم: .. فقلوبهم ساذجة من النظر العقلي، لعلمهم بقصور العقل. ولهذا فإن أهل التصوف لا يقيمون للعقل كبير وزن، وما ذاك إلا لأن العقل في عرفهم يحتاج دومًا إلى الدليل. ولكن هل استنفد العقل مدّخراته لنلجأ إلى ما قبل الوعي، أو ما فوقه؟ ربما يكون الهجوم ليس على ماهية العقل، بقدر ما يكون على ماهيّة الوعي، وبالتالي يتجه إلى طبيعة الإدراك العقلي؛ فالفرق بين نظرة الفنان ونظرة الإنسان العادي، ليس في حدة النظر، إنما في طبيعته، فالفنان لا يقتحم العالم، إنما يقتحم آخر شكل من الأشكال التي اتخذها العالم بين يدي الإنسانية. وهذا ما أرادته السريالية؛ دون أن تقول ذلك؛ فقد جاء في مغامرات (تليماك) لـ أراغون: لقد وُضِعت الشرائع، وقواعد السلوك، والجماليات، ليُفرض عليك احترام الأشياء الهشة، يجب أن نحطّم كل ما هو سريع العطب. وفي الموسوعة الفلسفية: ترتكز السريالية على الاعتقاد بالواقع المتفوق لبعض أشكال الأفكار المتداعية والمهملة حتى الآن، وعلى القدرة الخارقة للحلم، وعلى عمل الفكر العفوي. فالسريالية باعتبارها مرتبطة بالحقبة الزمنية الممتدة ما بين الحربين العالميتين، من حقها أن تقول رأيها في المصالحات المؤقتة التي سعى إليها السياسيون الدوليون المجتمعون في باريس لمؤتمر السلام. فقد أحس الجميع أن المؤتمر لم يقدّم حلًا للمشكلات التي استمرت لأجلها المجزرة أربع سنوات! لقد كان للحرب تأثير عميق في بروتون وإيلوار وأراغون وبييريه وسوبو، لأنهم خاضوا المعركة مرغمين، وخرجوا منها مشمئزين، يرفضون كل علاقة مع حضارة فقدت مبررات وجودها. يشاركهم في هذا الاشمئزاز كلّ من تبصر بنتائج الحرب، لذلك نراها استطاعت أن تجتاز الأطر القومية في الفن، فقد تمثل أربعة عشر بلدًا في المعرض الدولي للسوريالية، الذي عقد في باريس 1938، ولأن رواد السريالية قد غسلوا أيديهم من العقل الذي أنتج الحرب والدمار، فإنه لم يكن أمامهم إلا اللجوء إلى المخبوء الإنساني المكتنز في مناطق (التضليل المُنظّم) أو مناطق (ما فوق الوعي)، لعل.. وعسى أن يكون فيها للإنسانية ما يفيد. إذًا، هي ردة فعل. من هنا كان اتجاهها؛ أي السريالية، معاكس لكل ما كان سائدًا آنذاك، والدعوة إلى السكن في (البيت الزجاجي) هي في الحقيقة دعوة إلى الشفافية، التي هي حالة إنسانية تمثل النقاء المفقود، حيث الحاصل والمرغوب فيه يتوحدا، وهل نستطيع نحن -العرب- أن نحلم بتوحد الحاصل والمرغوب فيه، دون حركة ثقافية- معرفية، تلمّ ما بعثرته مآسينا المتلاحقة؟!

مقالات ذات صلة

إغلاق