تحقيقات وتقارير سياسية

قضية المعتقلين والمخطوفين مدخل لأي تسوية سياسية

تصاعد الحديث مؤخرًا عن اللجنة الدستورية، بعد موافقة الأسد مرغمًا على تسمية ممثليه إلى تلك اللجنة، بأمر من الرئيس الروسي بوتين شخصيًا، بانتظار أن يُرغم أيضًا معارضو الأسد على فعل الشيء نفسه، بينما سيكون الشعب السوري الغائب الأكبر عن تشكيلة تلك اللجنة، التي لا يبدو واضحًا حتى الآن كيف ستعمل وما المهمة التي ستنجزها: هل ستضع دستورًا جديدًا؟ أم تكتفي بإدخال بعض التعديلات على دستور الأسد الصادر عام 2012، ترضي بها الأسد وأطراف المعارضة التي شاركت في مؤتمر سوتشي؟ كما لا يُعرف حتى الآن من هي الجهة التي ستصادق على مخرجات تلك اللجنة وتضعها موضع التطبيق؟ وكيف سيتم إلزام الأطراف المعنية بتنفيذها؟

تعليقًا على تسليم الأسد لأسماء ممثليه إلى اللجنة الدستور، رأى بعض المهتمين في دمشق أن موافقة الأسد على تسمية ممثليه إلى تلك اللجنة تخالف دستور 2012 الذي وضعه الأسد، بينما رأى آخرون أن موافقة الأسد هي والعدم سواء، ويؤكد آخرون أنه “لا يحق للحكومة أصلًا باعتبارها سلطة تنفيذية، مناقشة دستور منحها وجودها وشرعيتها!! بحسبان أن المناقشة المقصودة بالخبر تهدف إلى تعديل الدستور الحالي، وليس إلى حضور ندوة فكرية عن الدستور في منتدى ثقافي، فكيف ترسل لائحة لدولة أجنبية تدعم فيها بعض السوريين الذين تثق بهم لمناقشة دستور بلادهم، وأنه لا يحق لوزارة خارجية الأسد أن تسلّم سفارتي روسيا وإيران أسماء ممثلي النظام إلى اللجنة الدستورية في جنيف”.

كان يمكن اعتبار ما يقوله منتقدو الأسد مخالفًا للدستور وللسيادة الوطنية، لو أن الأسد يمثل حقيقةً الشعب السوري، فلو كان الأسد يشعر بأنه يمثّل فعلًا الشعب السوري لما خرق دستوره، هذا فضلًا عن أنّ مجرّد رضوخ نظام الأسد لأمر بوتين بتسمية أسماء ممثليه، هو إقرار صراحة بأن تمثيله للشعب السوري أصبح غير صحيح ويعتريه الشك والنقصان، وأنه بات يرى في قرارة نفسه أنه طرف في تلك العملية، مثله مثل بقية أطراف المعارضة التي قبلت بمخرجات مؤتمر سوتشي. يضاف إليها أن السيادة السورية الآن في مهب الريح والاحتلالات الأجنبية، والبلد مدمرة، وأكثر من نصف الشعب السوري إما مهجّر أو معتقل، يضاف إليهم مئات الآلاف من القتلى والمعاقين… الخ، لذلك وفي ظل هذه الأوضاع المأسوية، فإن أي حديث عن خرق دستور 2012 لم يعد ذا قيمة أو جدوى.

ما بين من يُطالب بالتعديل استنادًا إلى دستور 2012، وبين من يُطالب بصياغة دستور جديد لسورية، فإن أكثرية السوريين يرفضون أن يتم بناء دستور جديد على أساس تعديل دستور 2012 الذي منح فيه رئيس الجمهورية صلاحيات تماثل صلاحيات إمبراطور، ويشددون بالمقابل على أن تتم صياغة دستور جديد ومختلف، دستور يأخذ بعين الاعتبار أنهار الدماء التي سُفكت على التراب السوري، ويقطع نهائيًا مع الأسباب التي أدت إلى ما نحن فيه، ويلبي طموحات السوريات والسوريين في الحرية والكرامة والمساواة.

باختصار شديد: إن ما نريده اليوم ومستقبلًا مع أكثرية الشعب السوري، هو دستور يحترم حرّية وكرامة الإنسان ويحميها ويصونها، ويعلي من شأن السوريات والسوريين، دستور يحمي حقوق الناس ويحفظها، ويكرس مبدأ المواطنة المتساوية بين المواطنين، ويساوي بين جميع السوريات والسوريين، بصرف النظر عن السياسية والدين والعرق واللون والجنس، دستور لا يَحْرم طائفة من السوريين حق الترشح لمنصب الرئاسة، ولا يحرم الطائفة الأكثر عددًا من حق اختيار رئيس من خارج طائفتها، دستور يفصل فعلًا بين السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، ويمنع رئيس الجمهورية من التغول على السلطة القضائية والتشريعية، ويسمح بمحاسبته إذا أساء استخدام سلطته، دستور يحمي الحريات الصحافية والنقابية وحرية الرأي والتعبير فعلًا وقولًا، وتتمثل فيه معاني الشخصية والكرامة والحرية الإنسانية.

أما ما نريده الآن، قبل أي حديث عن الدستور واللجنة الدستورية وأعضائها، فهو وقف القتل والعنف وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ووقف الاعتقال السياسي نهائيًا، وتحقيق مطالب الشعب لتهيئة المناخ أمام إطلاق حوار بين جميع السوريين، يفضي إلى مرحلة انتقالية تشرف على عملية انتقال البلاد من حالة الاستبداد إلى حالة مدنية ديمقراطية تعددية، يتساوى فيها جميع السوريين والسوريات بالمشاركة في بناء مستقبلهم، بصرف النظر عن أي انتماء سياسي أو ديني أو عرقي على أن يترافق ذلك بمحاسبة من أجرم بحق السوريين، بما يمنع من تفجّر الأحقاد والضغائن مستقبلًا.

لذلك نعيد التأكيد على أن استمرار تغييب مأساة قضية المعتقلين والمخطوفين والمفقودين هو أمر غير مقبول ومرفوض، وإن عدم حلّ تلك المأساة سيلحق ضررًا بالغًا بأي حلّ سياسي في سورية ويجعله في مهبّ الريح، على اعتبار أن مأساة المعتقلين والمخطوفين والمفقودين باتت تمس حياة أغلب السوريين نظرًا إلى الأعداد المهولة التي ما زالت تقبع في زنازين وأقبية المخابرات السورية، وكذلك من تبقى في سجون وأقبية المجموعات المسلحة الإسلامية منها والكردية، وهو أمرٌ سيتحول إلى لغم كبير ينفجر في وجه أي تسوية سياسية، ما لم يتم النظر إلى مأساة المعتقلين والمفقودين والمخطوفين بجدّية، وضرورة لحظها كشرط لإنجاز أي اتفاق يُفضي إلى حلّ سياسي للقضية السورية، باعتباره شرطًا ضامنًا لأي تسوية سياسية مقبلة في سورية.

مقالات ذات صلة

إغلاق