قضايا المجتمع

لغز سكان سورية ما بين “المركزي للإحصاء” و”هيئة الأسرة”

وفق تقديرات المكتب المركزي للإحصاء في سورية، بلغ عدد السكان في أول كانون الثاني/ يناير 2010 نحو 23.695 مليون نسمة، أما عدد السكان داخل سورية، وفق التقرير نفسه، فبلغ 20.619 مليون نسمة، في التاريخ نفسه. أما في نهاية 2017، فقدّر (المكتب) عدد المواطنين بـ 24.420 مليون نسمة.

وبذلك؛ يكون عدد اللاجئين والمهاجرين ومن يعملون خارج سورية، وفق حسابات (المكتب)، هو3.801 مليون نسمة. هذا على الرغم من أن عدد اللاجئين السوريين في تركيا وحدها يتجاوز 3.5 ملايين، وفق الأرقام الرسمية التركية.

وبحسب صحيفة (تشرين) الرسمية، فإن التقديرات جاءت بناء على “مسوحات ميدانية”؛ ما يعني الشك في صحة هذه الأرقام، بالزيادة أوالنقصان، خاصة أن أربع محافظات (الرقة – دير الزور – الحسكة – إدلب) تقع خارج سيطرة النظام منذ سنوات، إضافة إلى أجزاء كبيرة من محافظات أخرى لا يسيطر عليها النظام بشكل كامل.

نقلت الصحيفة، في عددها الصادر الإثنين الماضي، أن دراسة أخرى صادرة عن (الهيئة السورية لشؤون الأسرة)، بالتعاون مع المكتب المركزي للإحصاء، أظهرت أن عدد السوريين وصل إلى 28 مليون في نهاية 2017، بينهم 21 مليونًا يقيمون داخل سورية، 2.7 في المئة منهم يقطنون في مراكز إيواء، في مناطق سيطرة النظام. وهذه الأرقام تبدو أقرب إلى الواقع، لناحية أن عدد من هم خارج سورية، لاجئين أو مهاجرين أو عاملين في دول الخليج، يصل إلى سبعة ملايين، أو يزيد.

مما سبق، يظهر أن المسح الميداني لـ (المكتب) قدَّر عدد السكان عند 24.420 مليون نسمة، بينما قدرت (الهيئة) هذا العدد عند 28 مليونًا. والفرق بين الرقمين 3.58 مليون نسمة!

قالت الصحيفة إن معدل الزيادة السكانية انخفض من 2.45 في المئة إلى 2 في المئة سنويًا، بسبب الحرب المستمرة في سورية، وزيادة نسبة العنوسة، وصعوبات الحياة، والمشكلات الاجتماعية الناجمة عنها.

أما تقديرات الأمم المتحدة فتشير إلى وجود ما لا يقل عن ستة ملايين لاجئ سوري خارج البلاد، وما لا يقل عن ثمانية ملايين نازح؛ ما جعل المنظمة الأممية تصف عام 2018 بـ “الأسوأ إنسانيًا” الذي يمر على سورية منذ ربيع 2011.

في منتصف تسعينيات القرن الماضي، كان مسار التحول الديموغرافي في سورية يدل على قمة في نسبة التزايد السكاني عند 31 في الألف، ليبدأ بعدها بانحدار تدريجي بطيء نتيجة ارتفاع نسبة المتعلمين، وزيادة مساهمة المرأة في سوق العمل، الذي يترجم وعيًا في تحديد النسل وفقًا لميزانية الأسرة. هذا باستثناء الأسر في الريف التي ظلت محافظة نسبيًا على عاداتها في إنجاب عدد كبير من الأولاد والبنات، خاصة في إدلب والمحافظات الشرقية.

لكنّ العودة إلى بدايات عام 2011 تذكرنا أن عدد سكان سورية بلغ في ذلك الوقت، وفق مؤسسات النظام المختصة، 23.5 مليون نسمة، وكانت الزيادة الصافية في عدد السكان تبلغ نحو 400 ألف نسمة سنويًا، بشكل وسطي خلال العقدين الأخيرين، أي التسعينيات، والعشرية الأولى من القرن؛ ما يعني أن الزيادة في الأحوال الطبيعية ستكون خلال السبع سنوات الماضية نحو 2.8 مليون نسمة، وأن عدد سكان البلاد كان يجب أن يكون 26.3 مليون نسمة (ليس 28 مليونًا، أو 24.420 مليونًا).

وإذا أخذ المكتب المركزي للإحصاء هذا السياق؛ فإن المكتب يكون قد قدّر، ضمنًا، عدد القتلى من جميع الأطراف في الحرب بـ 1.880 مليون قتيل (26.3 ناقص 24.420)، لأنه لم يذكر في تعبيره (عدد المواطنين)، أهم الذين داخل البلاد وخارجها، أم الذين داخل البلاد فقط، كما لم يشر إلى أن الفارق هو عدد اللاجئين.

لكن تقديرات الأمم المتحدة قالت إن عدد ضحايا الحرب في سورية، في نهاية العام الماضي، بلغ 510 آلاف قتيل، من دون أن تقدم المنظمة إحصاء دقيقًا، لصعوبة ذلك، وربما أخذت ما يشبه متوسطًا حسابيًا من مصادر مختلفة، لتعلن هذا الرقم. كما أن بعض المصادر تعطي أرقامًا كبيرة، وتتحفظ مصادر أخرى في الأرقام؛ ما يعني أن المبالغة سيدة الموقف في هذا الخصوص.

ووفقًا لأرقام وزارة الصحة التركية، ولد منذ بدايات اللجوء السوري إلى تركيا أكثر من 276 ألفًا و158 طفلًا سوريًا في تركيا، خلال المدة ما بين 2011 و2017.

وحسب آخر إحصائية لدائرة الهجرة التركية، بلغ عدد السوريين في تركيا ثلاثة ملايين و584 ألفًا و179 سوريًا، بينما وصل عدد الأطفال المسجلين في تركيا في نيسان/ أبريل الماضي وحده، إلى 11 ألفًا و657 طفلًا، فيما بلغ عدد الأطفال من عمر شهر حتى أربع سنوات 492 ألفًا و312 طفلًا.

هنا، من غير المجدي التذكير بمسألة الإحلال الديموغرافي، أو الهندسة الديموغرافية، نتيجة التهجير السكاني من حمص وريف دمشق في اتجاه إدلب وشمال حلب، ولا التذكير بما وراء القانون رقم 10 الذي دخل حيز التنفيذ، ويقرؤه بعض المتابعين على أنه نوع من التطهير العرقي، باستخدام القتل والحصار، وصولًا إلى التهجير، فالمكتب المركزي للإحصاء، والهيئة السورية لشؤون الأسرة، لا يحتاج إليهما النظام لتبرير تصرفاته تجاه ضحاياه من السوريين، كونه لم يهتم بذلك عندما كان منهزمًا عسكريًا، فكيف به الآن وقد استشعر “النصر”.

إذًا، يمكن الحديث فقط عن “نظام مؤسسات”، يكذب حتى في الإحصاءات السكانية، جريًا على عادته في الكذب حتى في درجات الحرارة.

مقالات ذات صلة

إغلاق