قضايا المجتمع

الميليشيات الكردية في الرقة: فساد وانتهاكات باسم الديمقراطية!

منذ خروج تنظيم (داعش) من مدينة الرقة ووقوعها تحت سيطرة الميليشيات الكردية، كلّ الصور والمعلومات القادمة من هناك تُخبر عن حجم الدمار الذي تعرضت له المدينة، وصعوبة عودة الحياة فيها إلى ما كانت عليه.

ومع عودة عدد من أهالي المدينة لبيوتهم المدمرة في الغالب، وعجز المنظمات الإغاثية عن العمل وتقديم الدعم للمدنيين؛ يطفو إلى السطح سؤال حول حقيقة الأوضاع المعيشية للعائدين، وكيف يؤمّنون دخلهم وسط هذه الظروف الصعبة.

محمد عثمان، ناشط إعلامي من مدينة الرقة، تحدث إلى (جيرون) حول هذا الموضوع قائلًا: “هناك فئة من الذين عادوا يعملون بالزراعة، وهي أساس اقتصاد المدينة، وهناك من يعملون في مهن مختلفة، كتصليح السيارات، أو في بيع البضائع المختلفة كالمواد الغذائية وغيرها”.

حتى الخيارات المحدودة لتأمين فرص العمل، تصطدم بمعوقات كثيرة؛ فعلى صعيد الزراعة لا توجد أي جهة تدعم الفلاح بشكل مباشر كتأمين البذار والسماد، إضافة إلى أن معظم قنوات الريّ تم تدميرها، إما بسبب القصف أو الاشتباكات بين (داعش) والميليشيات الكردية، وهناك قنوات تحتاج إلى صيانة لتجنب فيضانها على الأراضي المحيطة بها، مثل منطقة وادي الفيض غرب الرقة.

يضيف الناشط عثمان أن “الفلاح لا يجد سوقًا لتصريف المحاصيل؛ لأن ذلك يتطلب عمليات نقل بتكلفة مرتفعة جدًا. وهناك صعوبة أيضًا في موضوع التنقل والوصول للأراضي الزراعية، بسبب الدمار وانتشار السواتر الترابية”.

يضاف إلى هذه المعوقات، الدور السلبي الذي تمارسه الميليشيات الكردية، التي فرضت على الفلاحين شراء القمح بسعر 175 ل.س للكيلو الواحد، وهذا السعر يشمل كافة الأصناف (الأول والثاني والثالث)، وهو مبلغ زهيد جدًا، مقارنة بالتكلفة التي يتحملها المزارعين.

تعدّيات الميليشيات الكردية لم تقتصر على الفلاحين فقط، إذ يتحدث عثمان عن استغلالهم لجميع المدنيين، ويقول: “حتى الذين يعملون في تصليح السيارات بالمدينة الصناعية لم يسلموا منهم، حيث يقومون بصيانة وتصليح سياراتهم دون أن يدفعوا الأجور للعمال، وفي بعض الأحيان قد يستغرق هذا العمل كل النهار، وبالتالي يتسببون في تعطيل المدنيين عن كسب رزقهم”. ويتابع: “هم لم يختلفوا قط عن تنظيم (داعش)، لأنهم يمارسون السلوكات نفسها: (داعش) كانت تنتهك المدنيين باسم الدين، والميليشيات الكردية تستغلهم باسم (الديمقراطية)، وهم بعيدون كل البعد منها”.

يتابع عثمان سرده لأوجه التشابه بين (داعش) والميليشيات الكردية قائلًا: “إبّان تواجد (داعش) في المدينة، كان عناصر (الحسبة) يتجولون في الشوارع، ويقومون بإهانة المواطنين ومعاقبتهم لأبسط الأسباب، واليوم تقوم مجموعات ممن يُسمون بـ (الهافالات)، وهم فتيات لا تتجاوز أعمارهن الثامنة عشر، بالتجول في الأسواق والتعدي على المواطنين وشتمهم بكلمات بذيئة، وبالطبع، لا أحد يستطيع أن يفعل أي شيء حيال ذلك”.

تقوم الميليشيات الكردية -بحسب الناشط الإعلامي عثمان- بفرض الضرائب أو التعرفة الجمركية على جميع البضائع التي تدخل للرقة، باستثناء البضائع الإيرانية التي تكون ضريبتها منخفضة، مقارنة بالمبالغ التي يتقاضونها عن بقية البضائع التي تأتي من تركيا أو أي منطقة أخرى في سورية، سواء أكانت تابعة للنظام، أم للمعارضة.

كذلك يطالبون أي تاجر قادم من دمشق أو أي مدينة أخرى، بتحديد كفيل له من داخل الرقة ليستطيع الدخول، وهذا الإجراء لا يشمل التجار القادمين من مناطق تقع تحت سيطرتهم، كالحسكة والقامشلي.

أمام كل هذه الصعوبات والانتهاكات؛ يصبح تأمين الدخل اليومي للمدنيين تحديًا شاقًا، خاصة أن أسعار المواد الغذائية مرتفعة جدًا؛ حيث يقدّر عثمان المبلغ الذي تحتاج إليه الأسرة يوميًا، لتوفير حاجاتها بالحد الأدنى، بـ 5000 ل.س، تتضمن الطعام وتكلفة أمبيرات الكهرباء وسعر المياه، حيث يبلغ ثمن برميل الماء الواحد 200 ل.س.

تحدث عثمان عن عائلات تضطر إلى الاستحمام بمياه نهر الفرات، لكي توفّر ثمن الماء. فمعظم الأحياء الغربية: (حارة البدو، حي التوسعيّة، حي جامع النور، مساكن أمن الدولة، مساكن الحوض) لم تصل إليها المياه حتى الآن، لأن نسبة الدمار فيها مرتفعة جدًا.

المتاجرة بأرواح المدنيين

تجاوز فساد الميليشيات الكردية في مدينة الرقة كافة الحدود، ووصل إلى حد المتاجرة بأرواح وسلامة المدنيين، عن طريق أخذ مبالغ مالية من المدنيين، مقابل نزع الألغام من بيوتهم. ويشرح عثمان ذلك قائلًا: “بعد مدة من دخول الميليشيات الكردية للمدينة وخروج تنظيم (داعش) شرقًا باتجاه البوكمال؛ بدأ المدنيون يتدفقون إلى حي المشلب شرقي مركز المدينة، وأثناء ذلك قامت الميليشيات الكردية بـ (تعفيش) البيوت وزراعة الألغام والمتفجرات. وهذا الأمر يعرفه كل المدنيين الذين عادوا للمدينة في تلك المرحلة”.

وأوضح: “حتى المتفجرات الموجودة سابقًا، لم يتم انتزاعها مجانًا؛ حيث كانوا يأخدون من كل عائلة 250 دولارًا، مقابل إزالة الألغام من منزلها. وهذا الأمر كان مصدر رزق كبير للميليشيات الكردية”. ولم تكتف الميليشيات الكردية بذلك وحسب، بل قامت باعتقال أي شخص لديه خبرة في إزالة الألغام، حيث يقومون بزرع الألغام ثم يقومون بإزالتها مقابل المال.

بحسب تقديرات الأمم المتحدة عاد إلى مدينة الرقة منذ بداية العام الحالي نحو 60 ألف مدني، على الرغم من أن مقومات الحياة فيها شبه معدومة. ويقدّر خليل الحاج صالح، الباحث في الشأن السوري، في تصريح لـ (جيرون)، أن العائدين إلى الرقة خلال الأشهر القليلة الماضية، يتوزعون إلى ثلاث فئات: “الأولى هم المدنيون الذين لا يملكون خيارات ولا قدرات للذهاب إلى أماكن أخرى، وهم الأكثرية المطلقة. هذه الفئة تضم الحرفيين والمهنيين وعمال الزراعة”.

يتابع الحاج صالح:الفئة الثانية، هم المرتبطون بالمشروع السياسي الأمني القائم الآن في الرقة. لا يعتمد هؤلاء  في معيشتهم على حال النشاط الاقتصادي، بل على منظمات وجهات سياسية تدعمهم. أما الفئة الثالثة فهم التجار الميسورون الذين يرون في العودة فرصة ثمينة للاستفادة مما يسمى حركة إعادة الإعمار، وما يمكن أن تخلقه من فرص”.

يرى الحاج صالح أن الغالبية العظمى من العائدين يعتمدون على (اقتصاد الكفاف)، أي القليل من الزراعة والقليل من المواشي، لكي تستمر الحياة، في ظل الأحوال السيئة التي تشهدها الرقة، أمنيًا وإداريًا واقتصاديًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق