هموم ثقافية

الكذب اللذيذ

ما الصورة التي تظهر بين جدران جمجمتك حين تسمع/ين كلمة “تمثيل”؟! حسنٌا، سأفترض إجابة أو إجابات مسبقة لضرورة إكمال المقال لا أكثر: ربما صورة شخص كاذب، أو خبيث، متملق يبتسم لمديرته، أو ربما، سيدة تبالغ في مشاعرها، حتى تصبح “Drama Queen”، رجل “عم يتبوجق” بصوت عريض… إلخ

ولكن هل يمكن أن تتدلى صور أخرى إيجابية؟ هل يمكن أن يكون التمثيل سعيًا إلى أقصى درجات الصدق؟ أو بحثًا في الذات الإنسانية لاكتشاف جوانب قد تغيب في غمامة الحياة اليومية؟

الحياة اليومية -في ما أظن- هي معيار التمثيل، ليس بالنسبة إلى المتلقي، بل للمثل. فكلما ابتعدت ذات الممثلة (أو الممثل) عن حركتها اليومية ومشاعرها اليومية وأفكارها اليومية، وكل ما هو يومي، كلما اقتربت من التمثيل أيضًا. وهذا قد يكون كذبًا، أي إننا ندّعي ما لسنا نحن، وقد يكون اختلافًا أيضًا، أي أننا نظهر ذاتًا مختلفة على الخشبة عن تلك الذات اليومية. ولإظهار تلك الذات نتحجج بالشخصية المكتوبة التي نقوم بتمثيل مشاعرها وعواطفها وأفعالها، فيما نحن في الحقيقة نختبر مشاعرنا وعواطفنا وأفعالنا غير اليومية. (ما الفرق بين العواطف والمشاعر بالمناسبة؟).

يقول المفكر المسرحي كونستانتين ستانيسلافسكي ما معناه: أن الممثلة التي تمثل دور أمّ تحمل رضيعها، لو صدّقت أن قطعة الخشب الملفوفة المحمولة بين يديها هي رضيعها حقًا، فهي ليست ممثلة بل مجنونة.

صِدق الأداء إذن لن يأتي من تحوير حقيقة قطعة الخشب والادعاء بأنها طفل رضيع، البحث عن الصدق هو في مكان آخر، إنه في الحياة ذاتها، أي على الممثلة أن تراقب علاقة الأم برضيعها في الحياة، ثم أن تنقل تلك العلاقة (مشاعر وأفكار وأفعال، وكل ما يمكن أن يكوّن تلك العلاقة) إلى خشبة المسرح، بأصدق ما يمكن.

إن الممثل الذي يقتل زميله بالفعل على الخشبة، ليس ممثلًا، بل مجنون أيضًا.

هذا الكلام صعب الفهم بالنسبة إلي، مع أنني صغته بنفسي. وأزداد ارتباكًا حين أفكر بالكلمات الأدق: تلعب دورًا أم تمثله أم تؤديه؟ تقلده؟! ما الفرق بين التمثيل والتقليد إذن؟ تُنقَل العلاقة بأصدق ما يمكن، أم تُمثَّل بأصدق ما يمكن؟ من الذي يحدد الصدق في الحياة، كي يحدد الصدق الفني على الخشبة؟ لا أعرف بعد! ولكن، ما أفهمه على الأقل أن الممثلة عند ستانيسلافسكي مطالبة بالابتعاد عن ذاتها اليومية قدر الإمكان، حين تصبح على الخشبة. تستطيع الذات في حياتها اليومية أن تستيقظ كما تشاء، أن تعيد اختبار شعور واحد طيلة حياتها، أن تحك أذنها بنفس الطريقة دائمًا، إنها حياتها وهي حرة في كيفية إنفاقها، ولكنها على الخشبة ليست هي، بل شيئًا بين الذات اليومية الخاصة بها، والذات المسرحية الخاصة بالشخصية التي تؤديها –تمثلها، تلعبها- لذلك، فإنها على الخشبة ليست مطالبة بالتنقيب عن مشاعر مطمورة فحسب، ولا باختبار أفعال لم، وربما لن، تختبرها في حياتها اليومية فحسب، بل عليها البحث عن مشاعر وأفعال قد لا تمتلكها من الأساس؛ عندها تستخدم ملاحظتها للحياة، كي تستعير من هذه الجارة بعض الأفعال، ومن تلك العجوز بعض انعكاسات المشاعر، ومن اعترافات مجرمة في محكمة بعض الأفكار. وذلك كله لماذا؟ لكي تقوم بتمثيل شخصية أخرى، لن أقول بأصدق طريقة ممكنة، بل أن تمثلها -على الأقل- بشكل أفضل من تمثيل أعضاء مجلس الشعب لنا. وقد وضع ستانيسلافسكي منهجًا للتمثيل للمساعدة في ذلك.

المقابل الدائم لستانيسلافسكي هو فيسفولد ميرخولد، الذي عمل ممثلًا في مسرح الفن بموسكو، تحت إشراف ستانيسلافسكي ودانشنكو حتى مطلع القرن العشرين، لكنه، بكل محبة، ودون تبادل الشتائم معهما، ذهب بعد ذلك مذهبًا آخر، ، فبدأ البحث في حركة الجسد (ستانيسلافسكي يركز على الجسد أيضًا، لكن ميرخولد وضع التركيز كل على الجسد، عدا عن اختلاف أهداف كل منهما وما يريدانه من الجسد) حتى توصل في العشرينيات من القرن العشرين إلى مفهومين أساسيين: البيوميكانيكا، والبلاستيكا، أي حركة الجسد باعتباره آلة الممثل الأساسية، وخلو هذه الآلة البيولوجية من المشاعر، والتحكم الواعي فيها إلى أقصى درجة ممكنة، فتحلُّ الحركة مكان الحوار كوسيلة تواصل وتعبير. وهذا تمثيل واضح، هو تمثيل من نوع آخر، لا يشبه التمثيل عند ستانيسلافسكي، لكنه تمثيل في حدوده القصوى، إعلان واضح أن الإنسان/ الممثل على الخشبة، ليس ولا يمكن أن يكون الإنسان “س” الذي يشتري الخبز من طاقة الفرن، أو الذي يسير في السوق. إنه إعلان واضح بأن الذي على الخشبة هو ممثل.

هذان المثالان -في ما أعتقد- هما قطبا أساليب التمثيل، وبينهما تنداح أساليب كثيرة متنوعة، ولكن أيًا منها لا يخرج عن المجال المغناطيسي للقطبين، بما في ذلك أساليب المسرح الشرق آسيوية والهندية التي أخذ منها ستانيسلافسكي وميرخولد الكثير.

هما مثالان تفصل بينهما زاوية قياسها 180 درجة، ومع ذلك يظل القاسم المشترك بينهما (وبالتالي بين كل أساليب التمثيل كما أدعي) هو أن الإنسان على خشبة المسرح لا يمكن أن يكون هو ذاته في الحياة اليومية، الذات اليومية يخفت حضورها على خشبة المسرح، ويجب أن يخفت حضور الذات المسرحية في الحياة اليومية.

يبقى سؤال أخير: هل يستطيع الممثل أن يقدم ذاته على الخشبة؟ هل يستطيع تمثيل نفسه؟

سؤال جذاب، قد يكون جوابه مجموعة أسئلة أخرى.

مقالات ذات صلة

إغلاق