هموم ثقافية

هزيمة الدراما التلفزيونية

يمكن القول -بلا تردد- إن الدراما التلفزيونية هذا العام كانت دراما مهزومة أو مُنيت بهزيمة، ومقاطعة جماهرية كالمعتاد..

أسباب كثيرة، أهمها وعي المتلقي، وابتعاد هذه الدراما عن قضايا الإنسان العربي اليومية، وأسباب كثيرة سآتي على ذكرها تباعًا.

الهزيمة الأولى: هزيمة التجدد والابتكار، فكانت الدراما أقل أفكارًا وأقل تقنية وأقل ابتكارًا وقدرةً على جعل قيمتها الفنية مدهشة ومستجدة، فالفن والإبداع كائن ينمو ويتطور ولا يشيخ.

الهزيمة الثانية: كانت دراما فقيرة، إنتاجيًا، وتعبيريًا، وجماليًا، لم تجعل المشاهد منجذبًا إلى مُثلٍ ذات قيمة غريبة وجدية ومدهشة. وهي أعمال فنية تعتمد على فساد الممول، بالشراكة مع المنتج المنفذ، فيتم إنتاجها بأقل الكلف الفنية، وأقل الكلف الإنتاجية وبزمن ضيق، وبتوقيت طوارئ، حيث يتم إنتاج العمل الدرامي، قبيل شهر رمضان “سوق عكاظ المارثوني للدراما”.

الهزيمة الثالثة: أنها “أي الدراما” كانت خارج الأسئلة الكبرى، للجمهور العربي، وخارج أمانيه والأحداث الكبرى التي يعيشها. فهي حتى الآن لم تسمع بما جرى ويجري من انتفاضات جماهيرية وثورات، وجرائم استبداد، ودمار طال البنى التحتية لدول بأكملها، وشرد وسحق مدنًا وبلدات، وهجر الملايين من الناس. الدراما كانت خارج هذا السياق المصائري والمصيري لشعوب، وليس لشعب واحد وحسب.

الهزيمة الرابعة: أنها ما زالت دراما تنميطية من بدويات وشاميات وقصص خيانات مكثفة، بين نساء الأصدقاء خاصة. دراما سطحية أفقية جاهلة بحركة المجتمعات، ربطت حداثة الأعمال باللباس والعناوين، مثل تانغو وغيرها، وكأن الحداثة الفنية، أن تضع عناوين معاصرةً وكفى.

الهزيمة الخامسة: عدم القدرة على مواكبة الأجيال الجديدة، بما تحمله هذه الأجيال من أفكار وتحولات ثقافية جديدة، وبما تعانيه من مشكلات مركبة تطرحها الحياة الجديدة بتسارعها الضوئي. فالدراما هذا العام أيضًا، كانت عاجزة ومهزومة أمام الجيل الجديد الذي أصبح يشاهد آخر الأفلام والمسلسلات العالمية على النت المتوفر على هاتفه الذكي. إن قضايا الجيل الجديد أصبحت أكثر وضوحًا واتساعًا على مساحة الحياة، والدراما ما زالت تنتج أفكارها لجيل قديم مات ثلاثة أرباعه.

الهزيمة السادسة: هزيمة التكنولوجيا الجديدة في صناعة الدراما، من كاميرات وطائرات تصوير، وعمليات مونتاج رقمية متطورة. فهي لم تستطع الاستفادة من تقدم التكنولوجيا المذهلة في خلق صناعة متطورة للأعمال الفنية، واستخدام كل الأدوات التي تجعل من العمل الفني جاذبًا ومدهشًا وأخّاذًا.

الهزيمة السابعة: هزيمة ثقافية وفكرية، حيث لم تقدم القيم الجمالية للفن ذاته، إن كان من ناحية الشكل، أو المحتوى. محض اجترار للأفكار، حتى يخيل إليك أنك تشاهد أعمالًا لنص واحد ومخرج واحد بزوايا شبه مختلفة.

الهزيمة الثامنة والمدمرة: هزيمة الأعمال الكوميدية، فهي لم تتعد الإسفاف والسذاجة والتهريج، ولم ترتق إلى قيم الكوميديا المسلية أو المفرحة، بل كانت أعمالًا ركيكة المحتوى ساذجة الأداء مهلهلة البناء، تتعامل مع جمهور أطفال، يطغى عليها الفقر الفني، وتستجدي الجمهور بضحكة عابرة.

أسباب كثيرة أدت إلى ما وصلت إليه الدراما التلفزيونية أهمها أنها ما زالت خارج النسق الثقافي العام والبناء المعرفي للمجتمعات، وهي ليست ذات قيمة جمالية في جوهر العملية الإبداعية في الحياة. وهي خارج منظومة وعي الدولة للقيمة الإنسانية لمجتمع الدولة ذاته، حتى العاملون في الشأن الثقافي العام لا ينظرون إليها، إلا بكونها خارج فعل الابداع الأدبي، وخارج نسق التطور الثقافي، كالشعر والرواية والقصة القصيرة وغيرها. ناهيك عن جهل الممول المعرفي لقيمة العمل لدرامي الفنية، وجهل أكبر للقيمة الاقتصادية على المدى البعيد، كما فعل على سبيل المثال: “البزنس التركي”. وفساد العاملين في محطات التلفزيون الممولة للأعمال الدرامية، فهُم عبارة عن موظفين يتقاضون “الكوميشن” من المنتجين المنفذين، وتشاركيات مالية مشبوهة تحت الطاولة. ودخول منتجين غير محترفين يستجلبون مخرجين أقلّ احترافًا، ضمن تنافس الأجور، وتوفير الأموال، وينطبق ذلك على شراء النصوص الرخيصة السطحية.

الخلاصة: ستبقى الدراما، لسنوات قادمة، خارج الفعل الصناعي المتطور للسينما والميديا بشكل عام، وهي صناعة موسمية فردية، تتعامل مع جمهور يطحن الأخضر واليابس، وستبقى بعيدة كل البعد من الوعي العام للجمهور، بتطوره المتسارع معرفيًا وثقافيًا، وقد أصبح قادرًا على مشاهدة ما يُنتج في الكون بكبسة زر، وسوف يغادر –حتمًا- هذه الدراما التلفزيونية العربية، وربما السينما معها، بلا رجعة.

مقالات ذات صلة

إغلاق