أدب وفنون

“خرائط يونس”: على تخوم الموت والعماء

التيه والعماء موضوعان ضبابيان، يحركان وعي محمود حسني، في عمله الأول (خرائط يونس) الرواية الصادرة عن دار الساقي لعام 2018، في مزاوجة بين مكابدات النفس البشرية وحالة الاحتباس المفاجئ بالطبيعة الموازية من جفاف لوريد النهر، وانحسار للبحر، والمطر الذي لا يسقط، وانسحاب اللون الأخضر من أشجار الغابات، عبر تداعيات الذات الساردة، ما بين الحوت الذي يحتضر، وظله البشري يونس وحبيبته علا، كشخوص تنوء بثقل همومها وكوابيسها وأحلامها، في تداخل ملتبس بين الحلم والواقع، وبين الخيال والحقيقة، كقداس جنائزي لموت يعصف بالمكان، فالحدث الغرائبي الذي يصيب الجزيرة، ممتدًا إلى المدينة المجاورة، يتحرك كفانتازيا تشويق هائلة تمسك بتلابيب القارئ متسائلًا عن ماهيته، ما سبب هذا الانحسار للحياة الذي حصل، وماهية هذه اللوثة التي أصابت حاكم المدينة بالرعب، وأقصته عن مكانه، حيث يتبدى ضائعًا في ماكينة هائلة الحجم، من تعقيدات التصاعد المضطرد للواقع المحيط، مستيقظًا على حقيقة الضعف البشري وتلاوين عبثية كابوسية أصابته بالذهول والعطالة.

يتهادى المكان عبر ذاكرة قصية بجغرافيا محددة بين الجزيرة والمدينة، ضمن حصار مادي ونفسي يحيق بالبطل يونس وسكان المدينة الذين فقدوا القدرة على النطق والتعبير كشلل باغتهم، على حين خوف، من مجهول يتلمسون فيه خطرًا غير مفهوم أو مدرك، عبر انهيار نظام الأشياء في حيز المكان واقعة السرد، أشبه بيوم حشر أو قيامة ما، تعيد صياغة وتشكيل حياتهم بصورة عصية على الفهم.

الخلفية التصويرية التي شكلت واقع الجزيرة الجديد، بعد هيمنة التقنيات العالية ومافيات المال والنفوذ، تلك التي اغتالت البساطة والطيبة فيها، حيث ثقافة الاستهلاك تزيح الملامح الأولية للكائنات والتشكيلات العفوية للطبيعة، لصالح الحجر والجماد، محولة المكان من مناطق عيش لفقراء الصيادين، إلى كتل إسمنتية عالية وعمارات بيتونية سامقة، مشابهة للمدن العصرية المشيدة وفق مشيئة أساطين القوة، ذاك الواقع الفطري الذي اصطدم بالتقدم الهائل للصناعة والتكنولوجيا المعاصرة، والبوابات المصممة إلكترونيًا في الفتح والإغلاق، لرصد حركة الداخل إليها والخارج منها، قادت ذاك الواقع إلى فراغ مروع وخواء مخيم، تبدى في عبثية الوجوم وشبه الموات الذي أرخى ظلاله القاتمة على الكائنات.

علا حبيبة الراوي يونس، الشخصية الأنثوية في السرد، وهي النحاتة المسكونة بهاجس التماثيل غير المكتملة، جاءت امتدادًا لشخصيته الهائمة غير واضحة المعالم، بعيدة عن أي واقع اجتماعي ملموس، كنبتة منعزلة ووحيدة، شاهدة على واقع يتفتت، وفتور بالشبق موازي لجفاف الروح، ولربما جاء استدعاء المقطوعات الموسيقية الأجنبية وتداعيات الموسوعة الثقافية لذاكرة بطلي العمل ثقيلة على جسم السرد وصفحات العمل القليلة، وأشبه بحشو ذي كثافة لا داعي لها، رغم انسجامها مع روح العمل، وإن شكلت رافعة رافدة للذائقة المتلقية، كاستعراض ثقافي يدور بذات الحلقة المفرغة للأنين الحي الذي يكتنف العمل بأسره.

ثمة إيقاع غير مرئي لأسطورة يونس أو يونان والحوت، ثمة تناغم ماورائي لتداعي الحلم الذي ينتاب كل منهما، كوعي أسطوري لعلاقتهما، وتلاقي أخيلتهما، في رحلة الضياع، وكأن أحدهما مجبول بذات الآخر، على نسجٍ موازٍ للتعالق القائم بينهما برمزية عالية بتناصها مع الحكاية المقدسة، واستعارة لرحلة الضياع والهروب، مغايرة لما استقر في الذاكرة الجمعية للحكاية المعروفة.

قد لا يكون من مهمة السرد الإجابة عن التساؤلات الواردة في النص، بمقدار القدرة على إثارتها، واستفزاز المخيلة لأسئلة متصاعدة تتناسل من البؤرة السردية، عن ماهية الوجود، وعلته ومآله، وخط التشويق الذي علق به القارئ، لمعرفة الذي جرى وما علة الحدث، وما الصلة التي تربط الشخوص فيما بينها. دوامة لا تقود إلا إلى مزيد من الضباب والتيه الملفع بالخوف والريبة، لصوت الموت الذي يقارب الأشياء، ويهيمن على فضاء المكان، هل هو صرخة استغاثة وسط التيه، حيث تساؤل الحوت الهجين من أب أزرق وأنثى حدباء، الوارد في النص “لم أعرف يومًا كيف أمسك بالتيار“.

هل هو السؤال المفتوح، والخطاب المضمر، والقطة العمياء والحوت الأعمى ورواية العمى لساراماغو، والعماء الذي يسير به البلد، هل هو توصيف لواقع يموج به البشر غارقين بلا جدوى العيش، باقتباس لقول سليم بركات:

“أنت الأبجدية التي لا تفصح

فلتضق فيك جهاتك….. حتى ليضيع الهواء عن الهواء“.

قد يكون إنقاذ الفتاة الصغيرة وإنقاذ الحوت المحتضر، لما فيه من إنقاذ للحياة والمستقبل، عكستها رمزية فتح المياه، مياه الخزان، كدرب للحياة عند برزخ الموت، للعودة للرحم الأولى التي تكون بوابة إنقاذ للحوت وللمدينة معًا. الماء لغة الطبيعة الحية، وبفقدانه تُفقد الألوان المعبرة عن روح الوجود، نضيف إلى ذلك الأسلوب الفني ذا اللغة العالية والنفحة الشعرية المواكبة، وربما تكون متضافرة جميعها. رسالة مضمرة لقصدية مبطنة، حاول الكاتب أن يمررها ضمن الغموض المبهم، في غيهب المتاهة التي أدخلنا فيها، وشعاع الأمل الخابي ووميضه المتخافت.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق