هموم ثقافية

“ماذا أفعل بيديَّ؟”

لم يكن ليناردو دافنشي أول من أبدع في رسم ونحت الجسد البشري، فقد سبقه الفراعنة الذين جسدوه بحرية وحنطوه بعد الموت، والإغريق والرومان الذين تركوا لنا إرثًا فنيًا غنيًا من المنحوتات العارية، ثم فنانو عصر النهضة الذين مجدوا الإنسان وزينوا الساحات والكنائس بتماثيله وصوره التي رسمها ميكيل أنجلو وأمثاله من المبدعين الكبار؛ لكن دافينشي كان أول من طالب تلاميذه بمعرفة ما تحت جلودنا، من عظام وأعصاب وعضلات وشرايين، مؤسسًا بذلك علم تشريح الجسد، محولًا النحت والتصوير إلى فن خالد.

إذا كان كل إبداع أو فن من الفنون يحتاج -كي يتم إنجازه- إلى مادة وموضوع وأداة؛ فإن الجسد هو أداة الممثل التي لا يملك غيرها -أصلًا- للقيام بفنه، فهو الموضوع وهو المادة وهو الأداة الوحيدة في فنه. فالممثل يعبر عن نفسه بجسده وروحه، ولا يحتاج إلى مساعدة خارجية، كقلم الكاتب أو آلة الموسيقي أو ريشة الرسام أو إزميل النحات…الخ. جسد الممثل هو قلمه وأوراقه، وهو آلته ونوتاته وريشته وألوانه وإزميله وصلصاله…

ومع أن الإنسان تمكن –منذ وجوده- من اكتشاف جسده وتفعيله في العمل والصيد والحب، ثم الرقص والرياضة والحرب، فقد بقي هذا الجسد معطلًا –إلى حد كبير، وقرون كثيرة- في فن المسرح. حتى إن اليونان استعاضوا عن الوجه بالقناع “ماسك”، وكان الإلقاء -الصوت والشعر والكلمة عمومًا- هو أساس فن التمثيل في مسرحهم، وفي مسرح عصر النهضة والباروك، على الرغم من أن الجسد كان حاضرًا في الرسم والنحت والأزياء!

يقول الخطيب اليوناني الأشهر شيشرون: “إن حركات الجسد تعبر عن مشاعر وانفعالات الروح”. وثمة مقولة شهيرة لمؤسس فن التمثيل ستانسلافسكي: “ماذا أفعل بيديّ”، لأن الإنسان ما إن يقف على الخشبة، وتحت الأضواء، حتى يحتار -حقًا- ماذا يفعل بيديه! ويعرّف ستانسلافسكي الفعل بأنه “سلوك فيزيو/ سيكولوجي يقود إلى هدف”. أما تجارب وتنظيرات المسرحيين الكبار أمثال: ميرخولد وغروتوفسكي وباربا وبروك وبوتشللي وارتو، وغيرهم، فقد اعتمدت كلها على فهم وتفعيل الجسد، باعتباره طاقة إبداعية خلاقة، كما اعتمدت الباليه وفن إخراج الحركة “الكيروجرافيا” لغة الرقص والموسيقى فقط.

إن اهتمام المسرحيين بالجسد لم يكن ردة فعل، على الأذن وطغيان الكلام فقط، بل كان ضرورة لتحرير وتفعيل أهم أداة من أدوات الممثل، التي أضافت إلى اللغة المسموعة لغة مرئية فاعلة ولصيقة بفن المسرح.

لكن الجسد لا قيمة له بلا حركة “تمدد وتقلص وقفز في الهواء وارتماء على الأرض وركوع وجري وانحناء ومبارزة” والحركة -على الخشبة- لا يمكن أن تكون آلية “فيزيولوجية” أو “خارجية”، بل هي تعبير عن عواطف ودوافع وأحاسيس إنسانية عميقة. فالإنسان يحزن ويتألم ويفرح ويغني ويرقص ويخاف ويعشق… ولا يمكن التعبير عن ذلك كله، إلا من خلال الجسد وعبره.

من هنا جاءت ثنائية الجسد والروح “المادة والفكرة”؛ فالممثل لا يستطيع أن يقدم نفسه “روحه، مشاعره” في العرض المسرحي، إلا من خلال جسده، وتفاعله مع أجساد أخرى تشحذ قوة التعبير لديه، وتجعله في مركز الانتباه والاهتمام.

وقد كان الجسد نقطة الخلاف الجوهرية، بين منهج ستانسلافسكي “المعايشة” أو التقمص، ونظرية ميرخولد “البيوميكانيكا” أو الحركية العضوية، فالأول اعتقد بأن الروح “الأحاسيس والمشاعر” هي التي تقود الجسد وتجعله يتقمصها، بينما يرى الثاني أن الجسد وحده، هو من يعبّر عن تلك الروح ويقدمها على الخشبة؛ إذا تم استخدامه بشكل صحيح، وتم تفعيله على أسس علمية “تشريح” ومهنية “تدريب ومهارة”. ولا يخفى على أحد أن نظرية ميرخولد هذه، كانت فاتحة للحداثة والتجديد في المسرح الروسي والفن العالمي.

فماذا نقول نحن -العرب- في ذلك، وكيف تعامل مسرحنا مع الجسد والتعبير الجسدي؟

الجواب صعب ومعقد وإشكالي! ويحتاج إلى بحث عميق، لا مجال له الآن، لكن يمكننا القول إن مسألة الجسد لدينا تعتبر تحديًا كبيرًا؛ مذ عرفنا المسرح، لأنه كان ولم يزل، مشروطًا بارتداء اللباس أو الزي المحتشم! والأصل أن يرتدي الجسدُ اللباس الذي يناسب الشخصية والموقف الدرامي. وكان الجسد ولم يزل يعني العري، على الرغم من أن الأصل فيه هو الحركةُ والتعبير. لذلك، بقي الممثل في مسرحنا يعمل بنصف طاقته، أو لنقل، بالجزء العلوي منه فقط، لما لهذا الجسد الشرقي من حرمة وقداسة، أحالته إلى “تابو” مزمن، عطل فهم الجسد، وبخاصة الأطراف “اليدان والساقان” ومنع التفكير فيها والتعبير بواسطتها، معوضًا ذلك بكثير من الكلام والحركات الزائدة التي صبغت مهنة التمثيل بالانفعال الزائد والشكلانية والصراخ! أما الممثلة فهي تعمل “بربع طاقتها”، لأنها لا تعرف حتى الآن “ماذا تفعل بيديها“!

ثمة الكثير من الاستثناءات والمحاولات الجادة لتحرير اليدين والساقين، لكن حرية الجسد على الخشبة، لا يمكن حسمها في أي مجتمع، قبل حسم مسألة الحرية والتفكير والإبداع.

مقالات ذات صلة

إغلاق