أدب وفنون

العشاء الأخير

على ضوء شمعة نحيلة، تتراقص ظلال العائلة المكونة من أبوين وبنتين وصبي لم يبلغ السادسة بعد، بينما الظلام في الخارج يمد لسانه للضوء وهو يبلعه على مهل، كما تبتلع أفعى أرنبًا، يرتجف ارتجافات لا إرادية، فيما ينعصر دماغه داخل فم الأفعى، ثمّ يتحول إلى انتفاخ في جوفها، مطبقة خلفه الباب على ما كانه قبل قليل.

ضجيج رابض في انتظار لحظة الانقضاض على الهدوء الحذر الذي يسير مثل سلحفاة، الهدوء كائنٌ بطيء والضجيج مسخٌ سريع، وبينهما معاهدة سلام مخترقةٌ منذ الأزل.

في البيت، يتراقص ضوء الشمعة على وقع الأحاديث، المشهد يماثل مشاهد النوافير التي يتراقص ماؤها على وقع موسيقا السيمفونيات العالمية المشهورة، كلما كانت النغمة عالية ارتفع الماء أكثر، وكلما هدأت هدأ منتظرًا النغمة التالية.

على ضوء شمعة شبيهة بشمعة العائلة في مدينة بعيدة، وفي ذات الوقت يمارس عاشقان الجنس والأحاديث الحميمة، نهداك قاسيان يلسعان جسدي كنحلتين ويملآن دمي بالعسل: يقول لها، فيما الحرائق تنمو في تنهدها، والعرق يتفصّد من جسديهما.

يا أبي، مضى أسبوعان لم أذهب خلالهما إلى المدرسة، تعاتب البنت ذات السنوات العشر أباها، وكأنه هو من أغلق المدرسة في وجه العصافير، ويا أبي منذ وقت لم تحضر لي قطعة حلوى: تهمس ابنة الثامنة، فيما يصرخ الصغير: بابا وعدتني بسيارة إسعاف تعمل على البطاريات ولم تفِ بوعدك، سأحضّرُ العشاءَ: تقاطع الزوجةُ حديثَ الأبناء، منقذةً الأبَ من محاولة الوعود التي لا تفضي سوى إلى أملٍ بعيد النوال، في ظلِّ الموت الذي يمشي مختالًا مثل محاربٍ متعطشٍ للدم في ساحة المعركة.

هل كنتَ أبًا يومًا، هل شعرت كيف تحمل جبلًا من الوعود التي لا سبيل يفضي إلى تحقيقها؟

الأسئلة -أيضًا- لا تفضي إلى أجوبة، ولكن ضوء الشمعة كان يستجيب لها، رغم أنها تجول في الخيال، ولو كان ماء النوافير يتفاعل مع أفكار زوارها، لما هدأ لحظة.

هيا أيتها الفراخ، صار العشاء جاهزًا. تتراقص الشمعة أكثر فأكثر متناسبة طردًا مع الحركة التي أحدثها تحلّق العائلة حول سُفرتهم الصغيرة التي اعتادوا محتوياتها.

يصلي الأب فيما يؤمن خلفَه الجميع: بسم الله الرحمن الرحيم، أبانا الذي في السماء لماذا تركت رعيتك للذئاب.

في الخارج، يبدأ خرق جديد للهدنة التي بين الهدوء والضجيج، الضجيج الرابض يكشر عن أنيابه، يركض بسرعة فهد، ويحدث جلبة عالية مستعينًا بهدير طائرة يخترق المشهد، وكأن زلزالًا يستعدّ لضرب الأرض، والسلاحف تحث خطاها دون جدوى، الهدوء ضعيف، والضجيج فاتك، ضوء الشمعة يرقص بقوة كفرقة دبكة في حفلة عرس من حفلات البلد، الصوت يرتفع أكثر أكثر أكثر، الأسقف والحيطان والشبابيك ترقص، والباب يصطك خوفًا وبردًا، وربما في محاولة للهرب من هول المشهد.

غبارٌ رماديٌّ يشبه الستارة المسدلة في نهاية عرض مسرحيٍّ، غبارٌ كثيف مثقل برائحة البارود والدم والحرائق.

مقعدُك في المدرسة سنمنحه اسمَك يا ابنتي، والحلوى الكثيرة التي على هيئة نجوم في انتظاركِ يا صغيرتي، ولا حاجة لمقاطعة أحاديثهم التي انتهت بعد اللحظة أيتها الحبيبة.

وحده صوت سيارة الإسعاف يملأ المكان الآن.

**

في نشرة الأخبار تهيمن على كل الشاشات صورة سفرة طعام بخمسة أطباق يعلوها الغبار.

***

الشمعة تتراقص في بيت آخر، والجنس مستمر على ضوء شمعة أخرى، والنوافير ما تزال ترسل الماء أعلى وأعلى على صوت السيمفونيات العالمية.

مقالات ذات صلة

إغلاق