أدب وفنون

لا تقولي إنك خائفة: العدو وراء الأحلام

يرسم الكاتب الإيطالي جوزبّه كاتوتسيلا، في روايته هذه، صورة فظيعة للحرب الأهلية في إفريقيا، الحرب التي تشكل إطارًا لحياة سامية، الحرب التي تعودوا عليها وتعودت عليهم، لتصبح بمثابة الأخت الكبرى لهم، هكذا يصف والد سامية بطلة الرواية، الحرب لها، ومع هذا يشجعها لتحقق حلمها كي تصبح بطلة أولمبية، ويطلب منها ألا تخاف أو تستسلم.

يرصد الكاتب في روايته تحوّل ساحات الرياضة والملاعب إلى أماكن مكتظّة بالعسكر؛ فتضمّ الدبابات ورجال الجيش بدلًا من الرياضيين، ويحتل الجيش مكان الجمهور، بعد أن غيّر السلاح هويّة المكان والوظيفة التي وجد لأجلها، ففي زمن الحرب تدمّر المرافق الرياضية، وأسوار الملاعب وجدرانها، لتناسب ما حشر فيها من آلات دمار وقتل.

نصاب بالدهشة، حين نمضي قدمًا في الرواية، فحال الصومال الذي كان جنوبه حتى عام 1960 مستعمرًا من قبل إيطاليا، بينما كان شماله مستعمرًا من قبل بريطانيا، أفضل بكثير من حاله بعد الاستقلال، المستعمر -للأسف- عمّر البلد، في حين أن من حكمه من أبناء البلد بعد الاستقلال دمّره.

أمّا المفارقة الأكثر وجعًا؛ فتتبدّى في كاتب الرواية، حفيد مستعمر الأمس، الذي استطاع من خلال الأدب أن ينقل لنا قصة العداءة الأولمبية سامية يوسف عمر التي أجبرتها الجماعات الإسلامية على ترك الصومال بلدها المهمّش الذي طالما حلمت برفع علمه عاليًا في السباقات الأولمبية، لكن تضييق تلك الجماعات وقتلها لوالدها، دفعها إلى الهجرة لتقضي نحبها فوق أحد زوارق الهجرة غير الشرعية بالقرب من سواحل إيطاليا.

رفضت سامية في البداية مغادرة الصومال، آملة أن يسهم تحقيقها لحلمها في تغيير مصير النساء في بلدها، بلدها الذي أحبّته ولم يقدّم لها شيئًا سوى التضييق والخوف لتكفّ عن حلمها، ومع ذلك لم تتردّد سامية في تمثيله في أولمبياد بكّين عام 2008، حيث لفتت أنظار الصحافة إليها، على الرغم من حلولها في المركز الأخير، وعودتها من الصين دون لقب، لم تيئس وراحت تتدرّب في أجواء رهيبة تهيمن عليها (حركة الشباب المجاهد) التي تمنع أي نشاط ثقافي أو رياضي، وظلت تمارس قمعها على سامية وعائلتها، وسط تجاهل الاتحاد الرياضي في مقديشو، إضافة إلى قسوة الحياة وشظف العيش واغتيال والدها الذي كان يحثُّها على الاستمرار في حلمها، ويوصيها دومًا بتلك العبارة التي تكرّرت في ثنايا الرواية: (لا تقولي إنك خائفة، أبدًا، يا صغيرتي سامية، أبدًا. وإلّا؛ فإن ما تخافينه سيتعاظم حتى يهزمك). ص38

ينقل لنا الكاتب صراعات القبائل والميليشيات المسلحة والجماعات الإسلامية، التي تعاضدت على قتل الأحلام والحريات واغتالت كل أمل بمستقبل أفضل.

وسط هذا الجحيم والخراب، تنمو زهرة، طفلة صغيرة تحاول الطيران فوق حقل من الألغام، تبصر النجاة من خلال العدو، فيتحوّل العدو إلى تشبّث بالحياة، وكأن الطموحات كلّها باتت معلّقة بذاك المضمار الذي سيوصلها نحو غد أفضل: (أفوز من أجل نفسي، كي أثبت لنفسي وللجميع أن الحرب بإمكانها أن توقف بعض الأشياء، وليس كلّها). ص48

بعد ظهورها في أولمبياد بكين على الشاشات؛ لم يعد باستطاعتها التجوّل في المدينة، ولا مواصلة تدريباتها، فقررت بمساعدة صحافية أميركية أن تبحث عن مدرّب يشرف على تدريبها، لتتمكّن من المشاركة في أولمبياد لندن، ولتحقق حلمها بالفوز هذه المرّة، كما وعدت أباها.

بعد ستة أشهر من عودتها إلى الصومال؛ رحلت سامية إلى إثيوبيا، ولكن عدم وصول المستندات اللازمة من الصومال (التي تثبت أنها إحدى الرياضيات المسجّلة لدى اللجنة الأولمبية، واللاجئة السياسية في إثيوبيا) منعها من الحصول على تصريح يسمح لها بالتدرّب في وضح النهار، فتقرر الهجرة من أديس أبابا نحو إيطاليا، بوابتها نحو العبور إلى لندن، لتتمكن من المشاركة في الأولمبياد.

على الرغم من كلّ الصعاب المتعارفة عن رحلة كهذه، فإن سامية قررت ألا تخاف وأن تمضي قدمًا في طريقها. استمرت الرحلة خمسة أشهر عانت فيها أشدّ المعاناة من قسوة المهرّبين وطريقة تعاملهم غير الإنسانية، سافرت برًّا من إثيوبيا إلى السودان، ثمّ إلى ليبيا، لتعبر البحر نحو إيطاليا، وفي البحر الذي كانت تكنّ له كلّ الحب، غرقت سامية وأجهض حلمها ببساطة، حلمها المتمثّل بالركض في ملعب لا تملؤه الحفر، بفعل القنابل والدبابات، أن تركض في وضح النهار دون أن تنتظر حلول المساء مثل الخفاش، كيلا يراها قاتلو الأحلام والسلام، أن تجد مدربًا يساعدها في تحسين أدائها، وطعامًا يساعد عضلاتها النحيفة على النمو، فهل كانت أحلامها مستحيلة؟!

مقالات ذات صلة

إغلاق