هموم ثقافية

تدهور الشرط النسوي في المجتمعات المتخلفة

لقد “رفض كارل ماركس التفسير الدارج لبؤس العمال، التفسير الذي جعل البؤس نتيجة ندرة طبيعية أو سرقة مبيَّتة، وقال ما مضمونه: نظرًا إلى طبيعة الإنتاج الرأسمالي في قوانينه الأساسية، لا يمكن إلا إنتاج البؤس. إن علة وجود الرأسمالية ليست هي تجويع العمال، ولكنها لا تستطيع التطور بدون تجويعهم. وهكذا استبدل فضح السرقة بتحليل الإنتاج. وكذلك الحال في قضية استعباد النساء، وقضية الشقاء الجنسي مع مراعاة الاختلاف بين الحالين، إن الأمر لا يتعلق بنفي البؤس الجنسي واضطهاد النساء، كما أنه لا يعني تفسيرهما سلبيًا بالقمع. المشكل كله يكمن في الإمساك بالآليات الإيجابية التي تنتج الحياة الإنسانية، على هذا النمط أو ذاك، ويكون البؤس الجنسي واستعباد النساء من بين نتائجها”، حسب تعبير ميشيل فوكو.

هناك علاقة سببية قوية، بين اضطهاد النساء والبؤس الجنسي أو الشقاء الجنسي، الذي يضعضع شخصية الفرد (الرجل والمرأة)، ويضعضع كيان الأسرة، وينتج من الانحرافات السلوكية، ما يضعف الروابط الاجتماعية والقيم الحاكمة لهذه الروابط. اضطهاد النساء والشقاء الجنسي الناجم عنه هدف للسلطة وأداة من أدواتها. وهذا لا يعني أن الهدف هو المنع والكبت أو مجرد الاضطهاد، بل هو تشكيل شبكة سلطوية محكمة للسيطرة على مفاصل الحياة الاجتماعية، من خلال الحياة الجنسية واضطهاد النساء. أيضًا، يقول فوكو: “الفكرة القائلة بأن الشقاء الجنسي ينبع من القمع، وبأن علينا تحرير حيواتنا الجنسية، إذا ما أردنا السعادة، إنْ هي في العمق إلا فكرة علماء الجنس والأطباء وبوليس الجنس”.

وقد لاحظ بيير بورديو أن “العلاقات (بين الذكور والإناث) هي الأقل تحولًا، مما توحي به الملاحظة السطحية، وأن معرفة البنى الموضوعية والبنى المعرفية لمجتمع المركزية الذكورية المحفوظ جيدًا.. توفر وسائل تسمح بفهم بعض السمات الأكثر تستُّرًا، مما هي عليه هذه العلاقات في المجتمعات المعاصرة، الأكثر تقدمًا اقتصاديًا، فإنه يجب عندها أن نتساءل عن الآليات التاريخية المسؤولة عن نزع التاريخانية والتأبيد النسبيين، لبنى التقسيم الجنسي ومبادئ الرؤية المتناظرة.. فإن ما يبدو ثابتًا ومستمرًا في التاريخ ليس سوى نتاج عمل تاريخي تمارسه مؤسسات مترابطة، كالعائلة والمعبد والمدرسة والدولة، وكذلك الرياضة والصحافة، وكلها تحتاج إلى أن تحلل في خصوصياتها التاريخية، من أجل إدخال العلاقات بين الرجال والنساء في مجال الفعل التاريخي. فالاكتفاء بتحليل اضطهاد النساء وتفسيره، على نحو ما فعل بعض المفكرين الكبار، مثل جورج طرابيشي وغيره، ينتهي إلى نتيجة قريبة من تبريره، مع فارق إنتاج خطاب في تهميش النساء وحرمانهن، وتحريض ردات فعل من جانبي أنصار التحرير وأنصار التبرير.

في الدولة التسلطية أو السلطوية، لا تمارس السلطة ضد الحياة الجنسية، وضد النساء، بل من خلالها. “المنع والرفض والحظر، بعيدة عن أن تكون الأشكال الجوهرية للسلطة، فما هي إلا حدودها، وأشكالها الناقصة أو القصوى. إن علاقات السلطة هي علاقات إنتاجية قبل كل شيء”.

نتساءل ما هو دور المثقف والمثقفة تجاه اضطهاد النساء، وموقف الثورات النظرية التي تسعى إلى تحريرهنّ من ربق العادات والتقاليد، والإثم والحرام؟

“ليس عمل المثقف هو أن يشكل الإرادة السياسية للآخرين؛ إنما يكمن عمله في التحاليل التي يقوم بها لميادين هي ميادينه، وفي إعادة مساءلة البديهيات والمسلمات، وزعزعة العادات وطرق العمل والتفكير، كما يكمن في تبديد الأمور المألوفة والمقبولة، وإعادة النظر في القواعد والمؤسسات، مع المساهمة، في تشكيل إرادة سياسية، عليه أن يلعب دوره فيها باعتباره مواطنًا، (وإن كان مهاجرًا أو مهجَّرًا)، انطلاقًا من عملية إعادة الأشكلة (وإنتاج المفاهيم). وهي عملية يلعب فيها دوره باعتباره مثقفًا” (فوكو)، فالمثقف لا يكون خارج التاريخ ولا خارج الزمان، فهو جزء من الحياة نفسها وعنصر فاعل فيها، بل لنقل هو فتحٌ في صليب الحياة، حسب الدكتور يوسف سلامة.

قلّما اهتمت الدراسات والبحوث المتعلقة بتحرر المرأة بأثر اضطهاد النساء في حياة الفرد، الذكر والأنثى، وحياة الأسرة والمجتمع، وفي قواعد بناء السلطة وطبيعة الدولة، اهتمامها بوصف مظاهر الاضطهاد والحرمان من الحقوق والتنديد بها. وقلما اهتمت بالبحث عن أسباب القمع والاضطهاد والحرمان، اهتمامها بـ “حرية المرأة في الإسلام” أو في “الغرب”. لذلك، لم تنته إلى بلورة رؤية، في ماهية السلطة، التي تقمع وتضطهد وتحرم، ووجوب توزيعها توزيعًا عادلًا بين الذكور والإناث، في الأسرة والمجتمع والدولة، ولم تدمج قضية المرأة لا في منظومة حقوق الإنسان، ولا في مبادئ المواطنة المتساوية. لذلك تحولت القضية إلى شعار وأدلوجة، أو إلى طوبى، بتعبير عبد الله العروي، الذي ربط قضية الحرية بالإصلاح السياسي.

يقول إلياس مرقص: “هناك شرط المرأة، الشرط النسوي، وتدهوره في وقت مبكر، أي انحدار العلاقة الأكثر طبيعية والاكثر روحية، بين الإنسان والإنسان، والتي هي معيار الارتقاء المدني والإنساني.

إن حرية المجتمعات وتطورها وتقدمها، مرهونة حتمًا بحرية المرأة وتطورها وتقدمها، وانخراطها في جميع مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ولا تتحقق حرية المرأة إلى إذا اتسعت مساحة الحريات العامة وإمكان التحول الديمقراطي، والعدالة والمساواة، بذلك تتسع المساحة لكل فرد من أفراد المجتمع (الأنثى والذكر) للتعبير عن نفسه، وترويج أفكاره والدفاع عنها، وقبول الفكر الآخر والإنسان الآخر بغض النظر عن محمولاته السياسية والدينية والقومية.

تدهور الشرط النسوي يعني تدهور كافة شروط المجتمع التي تدعو إلى التقدم والحداثة، وتدهور أجيالٍ تقوم على تربيتها امرأة مضطهدة لا تملك زمام نفسها لتعطي ما لديها من إمكانات في تنشئة الأجيال.

مقالات ذات صلة

إغلاق