مقالات الرأي

بمناسبة بطولة كأس العالم 2018 في روسيا

من المعروف أن وسائل الإعلام تخضع لسيطرة السلطة، وبشكل أدق لأصحاب الثروة الذين لا يتحكمون فقط في السياسة والاقتصاد بل في الإعلام والرياضة أيضًا.

وتحوّل الإعلام بعد انهيار الاتحاد السوفيتي إلى القطاع الخاص، حيث عرفت روسيا في تسعينيات القرن الماضي هيمنة كاملة على الإعلام المرئي والمكتوب والمسموع، من قبل عدد من الشخصيات المليارديرية (من أصول يهودية)، وفي مقدمتهم غوسينيسكي الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية، ويبدو أنه استقر هناك بعد محاربته في روسيا في عهد الرئيس بوتين. واستمرت وسائل الإعلام بيد القطاع الخاص المتداخل مع السلطة، فالقنوات تبدو أنها حكومية جزئيًا، لكنها في الحقيقة تُمول من قبل شركات وشخصيات أوليغاركية، وتخدم أجندات رأس المال. وأصبحت الأندية الرياضية ملكًا لشركات ورجال أعمال.

تخضع أغلب وسائل الإعلام الروسية اليوم بشكل كامل لأكبر الشركات النفطية الروسية مثل شركة (غازبروم)، برئاسة ألكسي ميللر المقرب من الكرملين. فهي تشرف على قنوات تلفزيونية ومحطات راديو وتمول صحفًا. وهذا يفسر ما حدث مؤخرًا في بداية بطولة كأس العالم بكرة القدم 2018، التي تستضيفها روسيا في الفترة من 14/ 6/ 2018 حتى 15/ 7/ 2018. حيث تناقلت وسائل الإعلام الروسية باستهجان خبرَ منع معلقين رياضيين شهيرين في روسيا، من العمل في القنوات التلفزيونية الروسية الفيدرالية خلال هذه البطولة.

فاسيلي أوتكين:

صحفي رياضي وممثل ومقدم برامج تلفزيونية عن كرة القدم، ولديه بزنس في مجال الإعلام الرياضي. شخصيته إشكالية، حيث يستخدم عبارات جارحة في القنوات التلفزيونية، فمثلًا قال عن الرئيس البيلاروسي مرة: “أتمنى أن أضع رأسه في التواليت لكي يصحو”.

مثّل أدوارًا في أفلام وبرامج تلفزيونية، وله مواقف ليبرالية ويتعاطف مع المعارض الروسي ألكسندر نافالني. وهو يحظى باحترام الجمهور لتعليقاته الشيقة واطلاعه الواسع على كرة القدم وسير حياة اللاعبين. كما عمل معلقًا رياضيًا في بطولات إقليمية ودولية.

قال أوتكين إنه يخرج من القناة، لكنه سيستمر في التعليق على مباريات كأس العالم، ويرى أن ذلك أمرٌ ضروري. هذه الجملة قد تفسر اضطراره إلى الخروج من القناة، لأنهم لم يسمحوا له بالحديث بصراحة. فمثلًا بعد المباراة الافتتاحية بين المنتخبين الروسي والسعودي، تحدث عن المباراة بأنها ليست بداية البطولة ملمحًا إلى المستوى المتدني من الناحية الرياضية للمنتخب الروسي، بالرغم من تحقيقه خمسة أهداف. وقال: “إذا قارنا مباراة روسيا السعودية مع غيرها من المباريات؛ فإن ذلك يشبه مقارنة كثافة الماء بالبيضة”.

وانتقد أوتكين المدرب السابق للمنتخب الروسي فاليري غازايف؛ لأنه تملق الرئيس الرئيس الروسي، في الحوار المباشر بين الرئيس والشعب مؤخرًا.

وباختصار: إن أوتكين معارض سياسي، وظهوره على الشاشة أمرٌ غير متوقع للكثيرين، لأنه سبق أن خطب في اجتماع جماهيري في كانون الأول/ ديسمبر من عام 2011 مناديًا بانتخابات نزيهة، بعد الانتخابات البرلمانية الروسية التي خرج ضدها مئات الألوف من الشباب الروس يطالبون بانتخابات نزيهة. وقد ردد حينئذ مع الجمهور شعارات انتقادية قوية بحق الرئيس الروسي!

وكذلك في انتخابات محافظ موسكو عام 2013 دعا أوتكين في موقع (سبورت.رو) إلى انتخاب المعارض ألكسي نافالني. وفي ذلك الحين قررت شركة (غازبروم) منع أوتكين من الظهور على القنوات الفيدرالية الروسية، ويبدو أن السبب الأخطر الذي أدى إلى فصل أوتكين من التلفزيون هو كتابته منشورًا في (فيسبوك) بعنوان “كرة القدم النافالنية”، نسبة إلى المعارض المعروف ألكسي نافالني، حتى أوتكين نفسه قال عند قدومه للعمل مؤخرًا في القناة الأولى: سأقوم بالتعليق إلى أن يطردونني. ويجدر بالذكر أن أوتكين قرر التبرع بكل المكافآت المالية التي يجب أن يحصل عليها من القناة الأولى، للجمعيات الخيرية.

وقد تسربت معلومات من مصادر مقربة من النائب الأول لرئيس إدارة الرئيس ألكسي غروموف الذي يشرف على عمل وسائل الإعلام في روسيا، وهو من الشخصيات الفاعلة في روسيا، تفيد أن غروموف مارس ضغطًا قويًا على أوتكين، وأجبره على الاستقالة من القناة الأولى.

وقد تفاعلت وسائل الاتصال الاجتماعي بقوة مع عزل أوتكين من التلفزيون، ومنعه من التعليق على مباريات رياضية لا علاقة لها بالسياسية، وهذه بعض التعليقات:

  • (فصل أوتكين) فضيحة وعيب. أوتكين من أفضل المعلقين الرياضيين في روسيا. ما يجري في القنوات التلفزيونية الروسية مسخرة وعفونة. حتى هذا العيد الرياضي خربوه. ما جرى معه غير عادل وبشع.
  • أمر غريب. كيف يخاف هؤلاء المتخفين وراء جدار عال من الحماية الأمنية والعسكرية، من ذكر مثلٍ أثناء التعليق على المباراة؟
  • الآن عرفنا حقيقة العلاقة بين الكرملين وكرة القدم.

علاقة (غازبروم) بالموضوع:

تم فصل المعلق الرياضي فاسيلي أوتكين بتوجيه من رئيس شركة (غازبروم) الروسية عن طريق الكرملين.

قامت القناة الأولى بإعداد “برومو” عن البطولة بصوت الصحفي الرياضي أوتكين، وتمت دعوته إلى برنامج ترفيهي في القناة، لكي يعملوا دعاية للبطولة ولمشاهدتها في القناة الأولى. فقد علق على مباراة أسبانيا – البرتغال 15 حزيران/ يونيو، ولم يتمكن من التعليق على مباراة إنجلترا – تونس، لأنهم فصلوه، وهناك من يقول إن شركة (ميديا غازبروم) الإعلامية هي التي قامت بفصل أوتكين.

أفاد مصدر بأن تينا كانديلاكي المدير العام لقناة (ماتش تي في) الرياضية، التي انتقدها أوتكين في مناسبات عدة، هي التي طلبت من شركة (روس تيخ) العسكرية، التي يرأسها سيرغي تشيميزيف المقرب من الرئيس بوتين، المساعدة في فصل أوتكين. وله تصريح مشهور، بعد أن تم دمج القناة الروسية الثانية مع القنوات الرياضية التي كان يشرف هو عليها، ثم أصبحت كلها تحت إشراف تينا كانديلاكي، إذ قال: “إنه لأمر مهين أن أعمل تحت قيادة كانديلاكي”، علمًا أنه اضطر في النهاية إلى العمل معها. ولكنه فُصل من تلك القناة لأسباب تتعلق بتعليقه على مباريات “كأس الأبطال”. وبعد مباراة الأرجنتين مع كرواتيا، كتب في (تويتر): “طيري إلى تينا يا أرغينتينا”. (تلفظ الأرجنتين بالروسية: أرغينتينا).

وعلق أوتكين نفسه على الموضوع بقوله: لم يضغط عليّ أحد، وأتمنى أن أتعاون مستقبلًا مع القناة الأولى. في معرض التعليق سابقًا على فصله من قناة (ماتش تي في) الرياضية بأن قرارات التعيين تخضع للجهات العليا.

وهناك تسريبات تفيد بوجود خلاف قديم، بين أوتكين وألكسي ميللر رئيس شركة (غازبروم) الروسية، حيث انتقد أوتكين نادي “زينيت” في بطرسبورغ، وهو ملك لشركة (غازبروم). وتذكر وسائل الإعلام كيف تم فصل مدرب نادي “سبارتاك” فاليري كاربين، في آب/ أغسطس 2017 بسبب تعليقه على مباراة “زينيت” المذكورة؛ فانزعج منه ميللر، وقاموا بفصله فورًا بعد اتصال هاتفي من ميللر.

ليونيد سلوتسكي

كان مدربًا لنادي (تسي إس كا) الروسي المعروف، وأصبح مدربًا لناد هولندي “فيتيس” منذ عام 2018، وعمل في محطات تلفزيونية روسية عديدة، أهمها (ماتش تي في/ (Match TV.

دعته القناة الأولى الروسية في آذار/ مارس 2018، للعمل فيها معلقًا على المباريات خلال بطولة كأس العالم، وخلال تعليقه على مباراة (المكسيك – ألمانيا)، قال زميل سلوتسكي ديمينتيف: إن الألمان يلعبون بـ “كرة نافالنية”، فتساءل سلوتسكي: هل يلعب نافالني بكرة القدم؟ أتمنى أن أرى ذلك.

ومن المعروف أن القنوات التلفزيونية يمنع عليها ذكر اسم المعارض نافالني. ونذكر لقاء الرئيس بوتين مع المواطنين منذ أشهر، حيث رفض ذكر اسم نافالني بالرغم من أنه تحدث عنه.

وأسباب إقالة سلوتسكي عديدة، منها انتقاده للسيد ستانيسلاف تشيرتشيسوف كبير المدربين للمنتخب الروسي، حيث قال عنه إنه غير مؤهل مهنيًا، ثم قال في مناسبة أخرى إن تشيرتشيسوف مريض.

مقالات ذات صلة

إغلاق