تحقيقات وتقارير سياسية

هيئة سياسية جديدة في الرقة و(قسد) ترد بتفكيك “لواء ثوار الرقة”

تشهد مدينة الرقة أحداثًا سياسية وأمنية وعسكرية متسارعة، هذه الأيام؛ بدأت منذ أكثر من شهر، عقب احتكاكات شبه يومية بين عناصر ميليشيا (قسد)، التابعة لحزب العمال الكردستاني التركي PKK، التي تسيطر على المدينة منذ انسحاب تنظيم (داعش) منها، في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي من جانب، وسكان المدينة الذين تظاهروا، في أكثر من مناسبة، بسبب تواصل عمليات السرقة والتضييق الأمني على حركتهم، وبسبب مظاهر الفساد التي بدأت تظهر في سلوك موظفي المكاتب والإدارات والمجالس المُلحقة بهذه الميليشيا، وعناصر لواء (ثوار الرقة) الذين يتعرضون لعمليات اعتقال واغتيال من حين لآخر، من جانب ثان.

سلسلة الأحداث هذه شهدت زخمًا إضافيًا، ابتداءً من يوم الخميس الماضي، إثر توزيع بيان سياسي في شوارع الرقة، يشتمل على رؤية ناشطين سياسيين وحقوقيين محليين بخصوص شؤون الرقة. أطلق هؤلاء الناشطون بيانًا تأسيسيًا لما سموه “هيئة الحراك السلمي بالرقة”، يتضمن مطالب موجهة إلى قوات التحالف، بوصفها قوة احتلال مسؤولة -بحسب القانون الدولي- عما يجري في المحافظة. شمل بيان “هيئة الحراك السلمي” سبعة مطالب، هي “رفض أي مساس بوحدة التراب السوري”، و”رفض التجنيد الإجباري” الذي شرعت (قسد) في تطبيقه بالرقة قبل أيام، و”الدعوة إلى مؤتمر يجمع الأطراف المحلية”، وعن هذا تنبثق هيئة ناخبة تقوم خلال 60 يومًا بتسمية “مجلس محلي ومكتب تنفيذي وهيئة قضائية”، و”تسليم ملف الأمن، ضمن خطة متدرجة، لأبناء المحافظة الموجودين ضمن صفوف (قسد)، و”ضرورة أن يتحمل التحالف الدولي مسؤوليته القانونية والمادية، وفق معاهدة جنيف الرابعة”، و”فتح المجال أمام اللجان الحقوقية وعائلات المفقودين والمغيبين للكشف عن مصيرهم”.

لكن البيان تضمن أيضًا بندًا أثار الكثير من اللغط والانتقادات والتكهنات حول هوية كاتبيه ومتبنيه، إذ نصّ على “إعادة تفعيل مؤسسات الدولة السورية ذات الطابع الخدمي… دون أن يعني ذلك عودة النظام وأجهزته الأمنية للرقة”. المنتقدون رأوا في ذلك دعوة صريحة إلى عودة النظام، ذلك أن عودة المؤسسات الخدمية يعني أن النظام هو من سيمولها، وهو من سيحميها، وبالتالي، فإن عودتها إلى العمل في الرقة ستعني عودة أجهزة النظام الأمنية أيضًا، إضافة إلى أن التمييز بين مؤسسات للدولة وأخرى للنظام مفتعل وغير واقعي في الحالة السورية.

إلّا أن صدور البيان ضمن بيئة متوترة أصلًا، بين (لواء ثوار الرقة) والأهالي من جهة، والميليشيات الكردية من جهة ثانية، استدعى ردة فعل سريعة من هذه الأخيرة في ثلاثة اتجاهات؛ فقد بدأت ببثّ شائعات عن وجود خلية لتنظيم (داعش) في الرقة تستعد لتنفيذ أعمال إرهابية، وعبّأت لهذا الغرض المجلسَ المحلي المعيّن من قبلها، وبعضَ الوجهاء الجُدد، الذين يسميهم أهل الرقة “شيوخ البي كي كي”، وصفحات تواصل إعلامي محلية ووسائل إعلام مرتبطة بها، وسارعت إلى استدعاء تعزيزات عسكرية كبيرة إلى المدينة، يعتقد سكان الرقة أن معظمهم أكراد أتراك، لأنهم لا يتحدثون العربية البتة، إضافة إلى آخرين عرب من منبج. كما أعلنت حظرًا كليًا للتجول، وأغلقت الأسواق والطرقات بحواجز أمنية، ومنعت السكان من الخروج للتسوق أو الطبابة وما سواها، ومنعت تواصل المدينة مع الأرياف. واعتقلت يومي 24 و25 حزيران/ يونيو المئات من المواطنين والعشرات من (لواء ثوار الرقة)، وأوقفت مخدمات الإنترنت العامة عن العمل. وفي الآن ذاته، حاصرت معسكر (لواء ثوار الرقة) في موقع الفرقة 17 شمال المدينة ومنزل قائد اللواء، وبدأت إطلاق النار عليهما.

تسارعت الأمور على نحو أكبر، بعد ظهر يوم الخميس، حيث اعتقلت الميليشيات الكردية اثنين من أبناء قائد (لواء ثوار الرقة): أحمد العلوش الملقب بـ “أبو عيسى”؛ كما سيرت وساطة من عدد من “الوجهاء” المحليين الذين اجتمعوا بقائد اللواء، مع قادة أمنيين وعسكرين من الميليشيا. ولحظة انعقد الاجتماع، انقطع اتصال قائد اللواء مع العالم الخارجي، وتوقف ورود أي معلومات مؤكدة عن نتائج الاجتماع أو عن مصير قائد اللواء، فيما أشارت تكهنات وأخبار غير مؤكدة عن اعتقاله ونقله إلى “القامشلي”، وأشارت أخرى إلى نقله إلى “الطبقة”. وفي ظل غموض مصير قائد اللواء ومساعديه وابنيه وعشرات المقاتلين الآخرين، فإن من المؤكد أن الميليشيا الكردية استولت على أسلحة اللواء، وفتشت منزل قائده الذي لم يبق فيه إلا أحد أبنائه لرعاية النساء والأطفال.

سياسيًا، تمكن قراءة ما جرى في الرقة خلال أسبوع، بوصفه قضاءً على آخر التعبيرات المقاتلة للثورة في الرقة، فيما معظم ناشطي الثورة، إن لم يكن كلهم، خارج المحافظة. وفي المقابل، على الأرض ظهر تحالف موضوعي من أربعة أطراف، يشمل الميليشيا الكردية؛ و”وجهاء” جُدد صنعتهم هذه الميليشيا وتستخدمهم في التعامل مع المجتمع؛ وبقايا تنظيم “داعش” ممن تصالحوا مع الميليشيات الكردية وانخرطوا فيها أو أقاموا معها علاقات تعاون لضمان مصالحهم؛ وأخيرًا مَن يُسمون بـ “الرماديين” وأتباع النظام في الرقة الذين يتحينون الفرصة لتعزيز حضورهم.

لكن اللافت في الأمر هو موقف دول التحالف التي تُعدّ مسؤولة قانونيًا، كقوى احتلال، عن المحافظة، وهي التي عملت طوال الفترة الماضية كصمّام أمان لتوازنات تركيبة (قسد) البشرية، وكابح لسياسات فظة وممارسات إجرامية للميليشيا الكردية: حرق وتجريف قرى عربية وقتل وتهجير. ما يبدو حتى الآن هو أن دول التحالف، الولايات المتحدة الأمريكية تحديدًا، فوضت الميليشيا الكردية بشكل نهائي بمهمة القضاء على أي تعبيرات للثورة، سياسية كانت أم مقاتلة، وبالتالي تصبح منطقة الجزيرة السورية كلها ميدانًا حصريًا للفعل العسكري والسياسي والأمني لهذه الحركة القومية الكردية.

مقالات ذات صلة

إغلاق