أدب وفنون

“بابٌ موارب”: عدسة الشعر

الاشتغال على اللغة والبحث عن المفردة المغايرة يبدوان جليًا، لدى الشاعرة والمترجمة الإيرانية مريم حيدري، إذ ثمة جماليات جمة نجدها في كتابتها، جنبًا إلى جنب، مع تلك المفارقات اللفظية المحببة التي تضفي بدورها سلاسةً ورونقًا خاصًا إلى قصيدتها، بل تدخِل إليها صورًا شعريةً جديرة بالتأمل والمتابعة، وغاية في البراعة والإدهاش.

في كتابها الشعري الجديد (بابٌ موارب)، الصادر أخيرًا عن منشورات المتوسط (ميلانو- 2018)، تبدو الشاعرة مريم حيدري وكأنها ترسم أكثر من كونها تكتب، لا الرسم بالكلمات فحسب، بل الكتابة بالألوان أيضًا؛ حيث نجد ثمة ضربات ريشةٍ خفيفةٍ وشفافةٍ على جسد الورقة البيضاء، عدا المرونة في الأجواء والعوالم التي يتم تناولها، وتحديدًا تلك التي تخص الطبيعة وحدها، سواء المأخوذة من الواقع بحذافيره أو تلك المتخيلة، حيث تقول: “الوقت مبَكرٌ للسرابِ/ وللوهمِ أن يأتي بأسبابٍ بسيطةٍ،/ ليدخلَ البيتَ/ الشمس غيمةٌ ناصعة/ والضوء ظلال الشبقِ على الصباح/ نَهدايَ زهرتانِ بريتانِ بين الحريرِ/ وحقيبة السفرِ قريةٌ هادئة”.

رحلة إلى عوالم مجهولة

تكتب مريم حيدري، وكأنها في رحلةٍ/ مغامرة إلى عوالم مجهولةٍ، تحاول أن تكتشفها وتدونها من منظورها الشخصي، ومن ثم تقدمها للقارئ في قالب فني شديد الخصوصية؛ تفاصيل عميقةٌ جدًا نجدها بين طيات هذا الكتابِ، بدءًا من التفاصيل اليومية تلك العابرة والمتناهية في الصِغَر، وصولًا إلى تفاصيل التفاصيل، حيث الحميمية في التناول والإتقان في الوصف، وتحديدًا من جهة المشاعر الأنثوية تجاه الأشياء والموجودات في العالم المحيط، حيث تقول: “الأبيض/ الغريب/ الذي لا يعرفني/ القميص الحزين الذي لا يريد أن يعرفني/ وتخرج من الكنبة التي تكوّر نفسها مثل عجوز منسية في ركن الغرفة/ وتقف/ لتنبت العروق الطرية على جبينك/ أتذكر حينها أن أشمّ صدرَ الربيع/ الربيع الرجل الوحيد الذي أعانقه دون أن أتيح لك أن تشك”.

الصرخة إزاء الظلم

استراتيجية العنونة في كتاب “بابٌ موارب“، (الواقع في ستةٍ وسبعين صفحةً من القطع المتوسط)، تأتي وفق مسارين مختلفين؛ في الأول يكون العنوان عبارة عن مفردة واحدة أو أكثر، دون أن يلعب دور الغواية أو يشد القارئ إلى عوالم النص، كون العنوان -في أبرز تجلياته- عتبة أولية مضيئة، نعبر من خلالهِ إلى المضمون، حيث نقرأ على سبيل المثال: “اضطراب، هروب، هذا اليوم، هذيان، وداع، هنا وهناك، عناق، ذات مساء، روتين، وعشق”. فيما العناوين الأخرى تكون في صيغة جملة شِعرية، تستفز القارئ وتنجح في إثارة حواسه الخمس في آنٍ واحد، ومن العناوين التي تأتي في هذا الاتجاه، نقرأ: “أربعاء الحواس، لا بد نستيقظ في الذكرى، تلك النظرة، خمر حضورك، اترك لي فراشة، أيها الشاعر، وذلك البيت الصغير”.

وفي كلا المسارين، نجد أن محتوى القصائد أكثر تماسكًا وألفةً، تغرف مادتها الخام من المعاناة الشخصية والهم اليومي؛ ثمة الحسي والملموس معًا، وفي درفةٍ واحدة، تلتقطه عدسة الشِعر، وهو ما تؤكده الشاعرة حيدري، في حديثٍ سابقٍ لها، من أن “على الشاعر أن يكتب عما يرى حوله ويلمس، أن يكون تلك الصرخة التي يسمعها ضمير العالم إزاء أي ظلم، ولكن إن وجد في نفسه تلك المقدرة العالية، وبشرط ألا يقع في فخ السذاجة الشاعرية”.

جديرٌ بالذكر أن المؤلفة مريم حيدري شاعرة وكاتبة ومترجمة إيرانية، من مواليد الأهواز العام 1984، تكتب المقال الأدبي في عدد من الصحف والمجلات الثقافية العربية.

تَرجمَت أعمالًا أدبية لعدد من الشعراء والكتاب الإيرانيين والأفغان إلى العربية، كما تَرجمت لعدد من الشعراء والكتاب العرب إلى الفارسية، من أبرز إصداراتها: (أثر الفراشة) لمحمود درويش، و(طيور بلا أجنحة) لأحمد رضا أحمدي، إضافة إلى كتاب مختارات من الشِعر الفارسي الحديث، حمل عنوان (شموس الروح).

حازت على جائزة (ابن بطوطة) لأدب الرحلة في فرع الترجمة لعام 2017-2018، عن ترجمتها لكتاب (مذكرات تاج السلطنة)، وصدر عن منشورات المتوسط ومركز ارتياد الآفاق.

مقالات ذات صلة

إغلاق