تحقيقات وتقارير سياسية

“آني” من درعا والثورة أمي

آني من درعا“، الوسم الذي أطلقه الناشطون تعبيرًا عن تضامنهم مع “الأم الجميلة” التي هدم أطفالها جدرانَ الخوف فينا، وبأصابعهم التي تقطر دمًا أشعلوا شموع الثورة، وحلم الأحرار في بناء سورية الديمقراطية، واستعادة كرامة البشر وحقوقهم التي بددها نظام اللون الواحد وقائد الأبد.

أكتب “آني من درعا” على أوراقي، وفي قلبي، مثلما فعل أغلب السوريين، ولا أستطيع أن أحبس دمعي، وأنا أستعيد عنوان البداية “الموت ولا المذلة”، وتأخذني الذاكرة إلى مجزرة المسجد العمري، وصورة حمزة الخطيب حيًا، ثم شهيدًا تحت التعذيب، لتفتح فصلًا من القمع والعنف الدموي، يفوق قدرة البشر على التصوّر والاحتمال، قبل أن يحمل أي من المنتفضين السلاح، أو يعبر الحدود السورية أيٌّ من مقاتلي القاعدة أو (داعش)، بل إن رصاص قوات الأسد وسجونه استهدفا أكثر الناس إيمانًا بالسلمية وحرصًا عليها، كالمهندس معن العودات الذي اعتُقل مرتين، قبل يُقتل في آب/ أغسطس 2011، وهو يمشي في جنازة أحد زملائه الناشطين.

منذ الأيام الأولى للاحتجاجات، تكفّل إعلام النظام السوري بنشر خطاب الكراهية ضد المتظاهرين والتقليل من شأنهم، واتهمهم بالعمالة والاشتراك في المؤامرة الكونية لتقويض حصن الممانعة العتيد، وتحدث عن العصابات المسلحة، وبثَّ أشرطة مصوّرة تدعي اكتشاف مخازن من الذخيرة الحية في حوزتهم، قبل شهور من انشقاق حسين هرموش في التاسع من حزيران/ يونيو 2011، والإعلان عن تشكيل حركة “الضباط الأحرار” التي وجدت حضنًا آمنا في درعا.

درعا التي قدمت أول الشهداء في قافلة الحرية، وأول المنشقين عن مجلس الشعب والجيش النظامي، وحطّمت تمثال حافظ الأسد، كانت أولى المدن التي دخلتها قوات النظام، وقصفتها بالراجمات والصواريخ، وأذاقت أهلها أقسى أشكال البطش والتنكيل، ومن ضمنها الإعدامات الميدانية، قبل أن ينظموا صفوفهم، ويحملوا السلاح دفاعًا عن أنفسهم، ويبدؤوا تحرير ثلثي مساحة الجنوب السوري.

اليوم، يجدد نظام الأسد وحلفاؤه الروس والإيرانيون خرقَ اتفاقية “خفض التصعيد”، بشن حملة شرسة على الجنوب السوري، بدأت منذ الحادي والعشرين من حزيران الجاري، بحشد التعزيزات العسكرية، وإغلاق معظم المعابر المؤدية إلى محافظة درعا، ثم فتح المعركة مع فصائل المعارضة على محاور القتال، بخط يبلغ 40 (كم)؛ ما أسفر عن استعادة عدة بلدات، وفصل (اللجاة) عن محيطها.

وفي أقل من أسبوع، سقط نحو أربعين مدنيًا، ونزح حوالي مئة ألف من السكان، هربًا من القصف الجوي والبري نحو الأردن الشقيق، الذي أعلن أنه لن يتحمل عبء مسؤوليتهم، وأغلق حدوده أمامهم، فيما تثبت التقارير والصور أن قسمًا كبيرًا من هؤلاء المهجرين قسرًا، وجلّهم من النساء والأطفال والشيوخ، يعيشون في العراء من دون الحد الأدنى من مستلزمات الحياة.

كان جميعنا يتوقع أن ينتقل “سيناريو الغوطة” إلى حوران، ولكن ما من أحد حتى اليوم قادر على حسم التوقعات: هل ستستعيد قوات الأسد المنطقة التي خرجت عن سيطرتها، أم أن فصائل المعارضة اتخذت تدابيرها الكافية للصمود، ولا سيما أنها أكدت عدم رغبتها في الاستسلام، في حين أن المجتمع الدولي هذه المرة لم يكتفِ بالصمت إزاء المقتلة المستمرة، بل أعلن صراحة عدمَ رغبته في التدخل لوقفها، أو تقديم أي شكل من أشكال المؤازرة؟

بصرف النظر عمّا ستحمله معارك الأيام القادمة من مفاجآت حاسمة، أو نتائج صادمة وفادحة؛ فإن صمود أهالي المناطق المحررة سبع سنوات، في وجه أعتى الجيوش، هو بحد ذاته معجزة، ولا تعني خسارة الجناح العسكري الهزيمةَ، فقد استعاد النظام مناطق كثيرة من الفصائل المعارضة قبل درعا، لكن الثورة لا تزال مستمرة، تدفع عنها أوساخ من غدر بها، وتتعالى على جراحها، وما يزال أمامنا أفقٌ لإحياء روحها السلمية، وإحداث انعطافة جديدة في مسارها، لبناء سورية الحرة، بعيدًا من استبداد الأسد والأطماع الخارجية وأضاليل لجان “سوتشي” الدستورية.

مقالات ذات صلة

إغلاق