مقالات الرأي

قبل الدستور: من هو السوري وأين هي سورية؟

إنها أحجية، ألقت بها موسكو في طريق الحل السياسي في سورية، لطيّ فكرة الحكم الانتقالي التي ثبتتها مؤتمرات جنيف، قبل نجاح موسكو بتحويل المسار إلى أستانا وسوتشي. أقصد أحجية الدستور “أولًا”، وما كان لها تحقيق النجاح في تحويل المسار هذا، وجعل دي ميستورا ممثل الأمم المتحدة، يقبل به إلَا بعد تغيير موازين القوى على الأرض، باستخدامها، مع حليفها الإيراني، أقصى طاقتهما الهمجية ضد الشعب السوري وقواه الثورية. كما أن المراوغات الدولية التي تركت الشعب السوري وقواه الثورية وقوى المعارضة، ظهرهم إلى الحائط تمامًا، كانت تتكامل مع العدوان الهمجي الجائر على السوريين، ودون ذلك لم يكن تغيير الاتجاه ممكنًا، وما كان لموسكو القدرة على فرض خيارها، في طريقة البحث عن إنهاء الصراع في سورية، وهي تقوم على هدف إعادة تأهيل سلطة الطاغية.

لقد كُتب الكثير عن المراوغة التي تسعى لها موسكو، من وراء أولوية البحث بالدستور السوري، تعديلًا، أو إضافة، أو تغييرًا. لكن زاوية نظر أخرى، وهي ما أحاول الوقوف عندها، تبدو ضرورية وجوهرية.

المعروف أن الدستور يشكل العنصر الثالث لتجسيد بناء الدولة/ الدول، بعد العاملين الأساسين والرئيسين: (الأرض والشعب)، وإن غابا بحدودهما الواضحة والثابتة، لا يمكن لأي دستور على الورق أن يبني دولة. ولعل البعض سيرى في ادعائي أن هذين العاملين غائبان اليوم في الحالة السورية، أقصد في “نظريات” الاستبداد الفئوي الطائفي، تهويمًا أو افتراءً على الواقع.

علينا أن نتذكر جيدًا النسق الثلاثي للأفكار التي تبناها الطاغية، وصرح بها على مراحل، وبأوقات مختلفة، وتحيل تلك الثلاثية إلى تحديد جديد لتعريف: من هو السوري؟ فكان أول إفصاح لعقل الاستبداد، في مواجهة الثورة، لتدعيم الثقة بالبيئة الموالية لسلطته، أن السوري هو من يدافع عن “الوطن”، اقرأ: سلطة الطغيان. وجاء ذلك حين تبيّن للعالم أن غالبية السوريين يقفون مع الحرية وضد استمرار الاستبداد. وإلى جانب تلك الفكرة، وربما قبلها، كانت المقولة السخيفة والمضللة عن واجب سلطة الطغيان بحماية الأقليات المهددة! وثالثة الأثافي، كما يقولون، تمت صياغتها بعنصرية بشعة ومنحطة، بالقول: إن سورية المتجانسة هي المطلوب استمرارها، وذلك التجانس هو مصدر الأمان والنجاح في “الوطن”. وهذا يفسر تجنيس الميليشيات الطائفية الإيرانية والأفغانية واللبنانية والباكستانية، فهؤلاء يقاتلون لحماية الطاغية، ومعهم يكون التجانس بالتجنيس، وحيازة البطاقة” الهوية” السورية.

هل أبالغ، عند مقاربة هذه الثلاثية البشعة والعنصرية، بالقول إن السوري في تحديدات الطاغية ليس هو السوري ذاته، الذي انتمى عبر آلاف السنين إلى هذا البلد، وعاش وعمل وزرع وبنى وقدم ما يستطيع لحماية أرضه، وأبدع في مختلف الفنون والآداب والصناعة، وقام بواجباته كافة، لكنه لم ينل حقوقه الطبيعية، خاصة تحت حكم سلطة الطاعية الأب ووريثه. وأظن أن ما يدعى “المرسوم رقم 10” يتصل بعقلية التحديد الجديد لمن هو السوري، كما يقدمه خبراء سلطة الطغيان.

إذا أتينا على موضوع الأرض، فمساحة سورية 185 ألف كم2. فوقها سيادات متعددة لدول عدة، وميليشيات من أكثر من جنسية. وأكثر تلك القوى ذات السيادة على الأرض السورية، جاءت بطلب من النظام، أما من لم يأت بموافقته، فالتهافت والانهيار هما ما سهل وجود دول أخرى، لها سيادتها على أكثر من ثلث مساحة سورية، شمالًا وشرقًا. ناهيك عن السيادة الإسرائيلية على الجولان، وقبول الطاغية بذلك، واستعداده لتشريع تلك السيادة، لكسب دعم “إسرائيل” لبقائه على كرسي الحكم (الهجوم على الجنوب هذه الأيام مثال صارخ على هذا الدعم).

وعلى ذلك؛ فالسؤال الذي تطرحه الأوضاع القائمة في سورية، تحت سلطة بشار الأسد، هو: هل حالة سورية الديموغرافية والجغرافية والسياسية، تتوفر عن وجود “دولة”، هي بالأساس كانت هزيلة، وغائبة، وحضورها كان فقط في المناسبات التي تحتاج إليها السلطة الأمنية الفاشية؟ فمنذ مجيء العسكر إلى السلطة، وبعد 1970، تحديدًا، ابتلعت الدكتاتورية العسكرية جنين الدولة التي ولدت بعد الاستقلال، ولم تكتمل مؤسساتها وأدواتها الاجتماعية والحقوقية، ومجيء العسكر أجهض الدولة الناشئة، ولم يبق منها إلا الاسم وجهاز حماية الدكتاتورية (المخابرات والعسكر).

مفاده أن سجالات الدستور التي تركز عليها اليوم الدول الكبرى ودي ميستورا، وتحاول المعارضة، بإرباك واضح، أن تدخل هذا الاستحقاق بطريقتها، ظنًا منها بوجود إمكانية لجعل الاتفاق على الدستور مدخلًا “لانتقال السلطة”، لا يعدو كونه نفخًا في قربة “مفخوتة”. فالمطلوب أولًا إعادة تعريف: من هو السوري؟ وما هي سورية. والعمل على إسقاط كل المجنَسين خلال السنوات الماضية، وإلغاء المرسوم رقم 10، وفرض إرادة القانون الدولي والشرعية الدولية في حقوق السوريين الكاملة، أينما وجدوا، فهجرتهم لا يمكن أن تسقط عنهم هويتهم السورية، كما يتصرف النظام بحق اللاجئين خارج البلاد.

أما عن الأرض التي تقوم عليها “الدولة”، فالمطلوب إنهاء وجود القوى الأجنبية، بدءًا من الميليشيات، والحرس الثوري الإيراني، ولاحقًا القوات الروسية. ومعهم القوات الأميركية. لأنه على الأراضي المحتلة، والمستعمرة، والمستوطنة، لا تقوم سيادة دولة على الأرض. وبنود دستور معدل، بزيادة بند أو إلغاء بند آخر، يشبه قصة “الحصان الضائع”، فبعد البحث المضني من صاحب الحصان، وجد في أطراف الصحراء “حدوة حصان”، فاستراح وأخذ يحدث نفسه: باقي ثلاث حدوات ثم أجد الحصان ويأتي الفرج، ومضى هائمًا على وجهه في الصحراء.

مقالات ذات صلة

إغلاق