هموم ثقافية

قصة حصان

قبل بداية السنة الرابعة، عدت من عطلتي الصيفة باكرًا، ونادرًا ما كنت أفعل ذلك. كنت أنتظر العطلة -على أحر من الجمر- كي أسافر إلى بلدي، وما إن يمر أسبوع أو اثنان، حتى أشعر بالملل، وأقرر العودة من جديد إلى مدينة كييف الخضراء؛ حيث كنت أدرس! لكنني، في كل مرة، كنت أبقى شهرًا على الأقل!

هذه السنة، الأمر كان مختلفًا، فقد وصلتني رسالة من صديقي ساشا الذي كان موظفًا في المعهد، يقول فيها إن مسرحية (قصة حصان) تعرض الآن، وعليّ أن أشاهدها بأي شكل كان.

كانت هذه المسرحية -يومها- حديث الوسطين الفني والثقافي، في الاتحاد السوفيتي السابق، وهي من تأليف ليف تولستوي وإخراج جيورجي توفستنوغوف، كبير مخرجي مسرح غوركي في لينينغراد، وقد سافر الكثير من طلبة المعهد، إلى هناك، لحضورها.

تأخرت قليلًا في العودة، وحرم صديقي -أيضًا- من مشاهدة المسرحية، لأن الفرقة انتقلت لعرضها في مدينة فلاديفوستوك، إحدى مدن الشرق الأقصى الروسي، وهي تقع على سواحل بحر اليابان، وتبعد عن العاصمة موسكو نحو 6430 كم. وبطريق سكك الحديد 9288 كم…!

في لحظات من الجنون، سألني ساشا، عندما عدت: هل أنت مستعد للسفر إلى هناك لمشاهدة المسرحية، قبل بداية العام الدراسي؟ فقلت: مستعد. وقررنا السفر بالطائرة، لأن الرحلة بالقطار قد تستغرق أكثر من أسبوعين، أما بالطائرة فإحدى عشرة ساعة فقط…!

سافرنا في الصباح الباكر، علّه يريني -من الجو- روسيا المترامية، بسهوبها وأنهارها وجبالها وغاباتها، لكن الغيوم لم تسمح لنا بمشاهدة الكثير. قطعنا عددًا من خطوط الطول، وكان الفرق في التوقيت يتجاوز الساعات الأربع؛ لذلك، غابت الشمس قبل الأوان، ووصلنا بعد غروبها بساعات.

بقينا في المدينة أسبوعًا كاملًا، ونحن ننتظر! زرنا خلاله قلعة المدينة الشهيرة، ورابطنا أمام مسرح بوشكين، حيث يتم العرض، لكننا لم نتمكن ولا بأي شكل، من الحصول على بطاقة دخول واحدة، كانت الأماكن كلها محجوزة، طيلة الأسبوع المتبقي لعرضها في المدينة! لم يبق أمامنا إلا القيام بعملية احتيال ما رعناء، لكن ساشا رفض الفكرة رفضًا تامًا، لأنه قد يعرض نفسه للمساءلة. وعندما فقدنا الأمل نهائيًا، قررنا العودة إلى كييف، لكننا عدنا بالقطار، هذه المرة، وكانت رحلة من أجمل رحلات العمر، غير أنها، على الرغم من طول الطريق الخرافي، لم تخفف عنا كثيرًا وطأة شعورنا بالإحباط والمرارة…

ولم تنته المرارة عند هذا الحد، بل كانت بدايتها فقط، فما إن عدنا، حتى تم استدعاؤنا من قبل الأجهزة الأمنية: لماذا ذهبتم إلى فلاديفوستوك؟ ماذا فعلتم هناك؟ متى عدتم؟ أين نمتم؟ من زرتم؟ كيف سافرتم؟ ومرة أخرى: مع من، وكم، وأين، ولماذا…؟ لم أكن قد جربت أجهزتنا الأمنية بعد، ولذلك، لم أفهم سبب هذه الأسئلة كلها، حتى علمت أن زيارة بعض المدن في بلاد السوفييت، ممنوعة على الأجانب، لأنها تعتبر مناطق مغلقة! وتحتاج إلى تصريح من السلطات الرسمية؟

كل الأحاديث “معهم” عن الفن والمسرح والمعهد العالي و(قصة حصان) وتولستوي وتوفستنوغوف، لم تفد شيئًا! المسؤولة عن الطلاب الأجانب حمّلتني التبعات، واعتبرت ما حدث مشكلة عويصة، لا يمكن المساعدة فيها، لأنها تمس أمن الدولة! رئيس اتحاد الطلبة السوريين صمت وتنصل من المسؤولية، وبقيت سبعة عشر يومًا أراجعهم، وهم يدققون ويفحصون ملفي الشخصي! كنت معرضًا للفصل، لو لم يتمكن أستاذي من إنقاذي. كان شخصية مرموقة في الحزب الشيوعي، فاستغل علاقاته الواسعة، وجند نفسه من أجلي، واتصل بعدد من أصدقائه، لحل هذه المسألة. قال لهم: “يجب أن تكافئوه لا أن تعاقبوه”. وضعوها -أخيرًا- في خانة سوء التقدير وطيش الشباب والرعونة! واعتذروا مني! لكنهم طلبوا إليّ أن أكتب تعهدًا بإعلام السلطات، قبل سفري إلى أي مدينة كانت! فكتبت.

لولا تلك الحادثة، لكانت بقية عطلتي الصيفية ماتعة جدًا، لما تحمله من مفاجئات وبرامج ترفيهية خاصة بالطلبة! يومها، التقيت بالمتقدمين الجدد الذين أتوا من شتى المدن والبلدات، لتقديم امتحان القبول في المعهد، وكانت فرصة عظيمة للتعارف وتبادل المعلومات، وإقامة الحفلات الطلابية الصاخبة. أدهشني العدد الكبير للمتقدمين، بالقياس إلى المقبولين في قسمي التمثيل والإخراج، وقد شاهدت دموع الراسبين، وشاركت في احتفالات الناجحين وعربدتهم. لكن ما أدهشني أكثر من أي شيء آخر، أن لديهم آفة الواسطة مثلنا، فأبناء المسؤولين، والطلاب الناشطون في اتحاد الشباب الماركسي اللينيني “الكومسمول”، ينجحون حتمًا، بينما يرسب الآخرون، مهما كانوا موهوبين.

هذا الكومسمول، كان ينسق سنويًا إجازات اصطياف في جزيرة القرم وسوتشي وباتومي وغيرها من المناطق الواقعة على البحر الأسود، في أقصى الجنوب، ورحلات بحرية وبرية متنوعة؛ سواء على متن سفينة لينين التي تنطلق عبر بحر البلطيق، باتجاه القنال الإنكليزي، متوقفة في مخيمات شبابية على شواطئ فنلندا والنرويج والسويد والدنمارك وألمانيا، وصولًا إلى فرنسا… أو تلك الرحلات التي تتم بواسطة قطار “الصداقة” البطيء، المزركش بالأعلام واللافتات، عبر دول أوروبا الشرقية وعواصمها المختلفة. لكني، بسبب رحلة فلاديفوستوك تلك، حرمت من المشاركة في أي منها! طلباتي التي كنت أقدمها للكومسمول، كانت تأتي مع عدم الموافقة، ومن دون ذكر للأسباب!

أما صديقي الأوكراني ساشا، فقد تم توقيفه مباشرة بعد وصولنا إلى كييف، وكادوا يتهمونه بالتجسس، أو معاداة الشيوعية، وكاد يخسر حريته، وربما حياته، بسبب رغبته في مشاهدة مسرحية؛ لكنهم اكتفوا بفصله من عمله، ونقله إلى مدينة “لفوف”، على حدود بولونيا، مع تسجيل توبيخ رسمي، في سجله الشخصي.

مقالات ذات صلة

إغلاق