أدب وفنون

التمجيد والتطبيل هو شعار معظم الدراسات النقدية

يبرز الشاعر والقاص والروائي اللبناني محمد إقبال حرب، القادم من عوالم الطب إلى أرض الكلمات، بين الأسماء النشطة في الملتقيات الأدبية في بيروت، ويعد من المشاركين الدائمين على مدار السنة، في العديد من المهرجانات الشعرية في لبنان والوطن العربي.

ضيفنا صدر له مؤخرًا ديوان (ولادة شاعر)، وهو ديوان شعر باللغتين الإنكليزية والإيطالية (مجموعة مختارة من ديوان «عاشق النسيان»). وكان هذا الديوان قد صدر عام 2015 باللغتين العربية والإنكليزية بترجمة حققها نزار سرطاوي، وقدم له الشاعر اللبناني عبد الكريم بعلبكي والشاعرة الأميركية مارغريت ساين. كما صدر له في أكثر من طبعة: «عاشق النسيان» (ديوان شعر) 2013، «الحقيقة» (رواية) 2010، «هنا ترقد الغاوية» (رواية) 2014. كما صدرت له مجموعة قصصية بعنوان «موت شاعرة» 2012، وفي 2016 صدرت مجموعته القصصية الثانية «يعيش النظام».

– بداية أسألك ما الذي جاء بك من عوالم الطب إلى أرض الكلمات؟

= لا تكتمل الصورة الحقيقية إلا باندماج البصر والبصيرة في بوتقة واحدة. لذلك كان لعالم البصريات الذي عشته أربعة عقود، أثرٌ في استقصاء دروب الحرف على امتداد أرض الكلمات، لأنهل بصيرة وجودي الإنساني على أكمل وجه. وما زلت أسعى لمزيد من البصيرة لأرى الصورة بشكل أنقى في عالم البصر.

– منذ متى بدأت القول؟ وكيف؟ وما هي العوامل التي أسهمت في تشكيل تجربتك الأدبية؟

= سؤال جميل، لكن إجابته طويلة أستمدها من ذكريات ساحرة. فلقد نشأت في أسرة فقيرة كان ربّها مغرمًا بالعلم والمعرفة. لذلك كانت لعبتي الدائمة القلم والكتاب فأجدت القراءة في سن مبكرة؛ ما أمسكني بزمام الحرف باكرًا.

كتبت روايتي الأولى في سن العاشرة، حيث كنت في المصيف مع والدتي، وعندما حضر والدي فرحت بتقديمها له فطار فرحًا. لكن صديقه مدير المدرسة أصر على أنه لا يمكن أن أكون كاتبًا لتلك القصة الرائعة. نهرني والدي “لكذبي”؛ فأصبت بصدمة أوقفتني عن الكتابة. وبعد سنوات قيّض الله لي مدرسًا اكتشف موهبتي وسار بي في درب العطاء. فقرأت آلاف الكتب الأدبية والسياسية عبر السنين بشغف أثراني بما يشبع نهمي، من دون أن أرتوي. كان والدي خلال تلك الفترة مع بعض المثقفين يحاورونني دائمًا، ويستفزون قدرتي على التفكير والحوار، كما كان للندوات الحزبية التي كانت رائجة في تلك الأيام، على اختلافها، دورٌ فتح آفاقًا جديدة من المعرفة والاطلاع على الرأي الآخر، وصقل مواهب عديدة تعلمت خلالها التحليل والتعرض لأفكار مختلفة، تحث على التفكير العميق والعمل على استقصاء الحقيقة من المراجع الموثقة، لاستدلال درب الحقيقة. كل ذلك، مع الإصرار على المساهمة الفكرية قدر استطاعتي، دفعني لتقديم تجربتي الأدبية المتواضعة، مع كثير من الوجل.

– أنت شاعر وقاص وروائي. هل تجد نظم الشعر ألين من الكتابة القصصية والروائية، في تعبيرك عما يعتمل في ذاتك من مشاعر وأفكار وأشواق وانفعالات؟

= الشعر الحق هو الذي يتنزل على الشاعر قصيدة تامة أو شبه تامة، في لحظة من اتقاد المشاعر، فتخرج القصيدة كائنًا يبعث في الشاعر حياة جديدة. أما نظم الشعر على مراحل فيُولد قصيدة تبدو جميلة أنيقة لكن بلا روح. لذلك لا أنظم الشعر، بل أنتظره يتساقط عليَّ غيثًا في قيظ جنوني.

أما القصة والرواية فتحتاج إلى وقت طويل من البحث الوجداني، والعمل على سبر الحقيقة، بعد تحديد الهدف الفكري والشريحة الاجتماعية المنشودة. القصة تحتاج إلى طقوس معينة من السكينة والبحث المضني والتفكير العميق لاستحضار الشخصية المزمعة والزمن المفترض للرواية.

تكمن الصعوبة في تكوين عالم خاص يجتاح المؤلف، لإنشاء عالم متكامل التفاصيل مادة وشعورًا وخيالًا جامحًا، يفصل الكاتب عن واقعه، كي يستطيع الإبحار إلى حيث يريد، بين بسمة ودمعة، غضب وحكمة.

الأدب صفوة الفكر وزبدة العطاء الإنساني

– يقول الشاعر لويس أَراغون “لولا الشعر لأُصبنا جميعًا بالسكتة القلبية”. كيف ترى العالم بلا شعر؟

= لا أستطيع تصور العالم بلا شعر، لأنني لا أستطيع تصور الحياة بلا ماء.

– هناك من يرى من الأدباء أن الأدب، قبل أي شيء، هو حامل للفكر، ومجاله الحيوي الإنسانية.. والسؤال كيف نفهم الالتزام في هذا الإطار، وأين هو من الجمالية أو الفنية للعمل الإبداعيّ؟

= رؤية صحيحة، فالأدب هو صفوة الفكر وزبدة العطاء الإنساني. من الصعب أن نحدد ماهية الالتزام بإطار محدد في بيئة ما، رغم شيوع التعريف على مستوى الإنسانية، من حيث القيم والمبادئ التي صدح بها الفلاسفة وأصحاب الرسالات عبر الحضارات. فلكل أمة وحضارة قيمها التي تقبل وترفض كثيرًا مما يكون أيقونة حضارة أخرى. لكنني كإنسان يلتزم بإنسانيته فكرًا وعملًا، أعتبر بأن نبذ العنصرية والعنف والتطرف بأشكاله الفكرية والدينية والعرقية والجنسية هي أساس كل فكر بناء. فالجمال والعمل الإبداعي لا يمكن أن يصدرا إلا عن فكر متحرر من القيود العصبية بأنواعها، كما لا يمكن لقلب يحمل مضغة سوداء، لأن ينتج رحيقًا فكريًا مضمَّخًا بالحب لقدسية الحياة. فالفكر النقي يعبِّر بالمداد واللون والوتر عن فكر متأجج الجمال يدركه أي إنسان، فيفخر الحر ويبكي العبد ويحزن المستبد.

– كيف تكتب القصيدة؟ هل تضع مخطّطًا وأفكارًا ما لبناء القصيدة، أم أنّها تتبلور ثمّ تلد بعفويّة جامحة؟ ومن ثمّ هل تُفكر في القارئ وأنت تكتب؟

= لا أستطيع أن أتصور نفسي أخطط لبناء قصيدة، فالقصيدة حلم ينبلج من رحم المشاعر الإنسانية، فيومض حياة، وسرعان ما يتسامى عن عالم البشر! فإن دونته لساعته كان جنينًا كاملًا تعيد تهذيبه في أوقات العودة إلى كيانك الإنساني. في تلك اللحظة أكون خارج الوعي، فلا أفكر في القارئ أو في نفسي. لكنني وبعد عودتي إلى حيث بشريتي، أفكر في القارئ تفكيرًا مليًا وفي فائدة ما أشارك به القارئ.

– أما تزال في الرُّوح مناطق لم يطرقها محمد إقبال حرب شعريًا؟

= شخصيًا، أرى نفسي كأديب أكثر من شاعر، لذلك لا أروم باحثًا عن قصيدة لأطرق بابها، بل أنتظرها أن تأتيني بشغف العاشقة، ولو من الباب نفسه، فتجدني متيمًا إلى لقاء.

– كيف ترى معايير النّقد اليوم؟ وهل أعطى النّقد تجربتك الأدبيّة حقها؟

= سؤال مهم في هذه الحقبة الأدبية من تاريخ أمتنا. مهمة النقد الأدبي هي الكشف عن مواطن الجمال أو القبح، القوة والضعف، كما مواطن الإبداع من خلال دراسة تلك الأعمال الأدبية دراسة وافية، دون تحيز من أي نوع أو محاباة لهدفٍ ما، كي ندرك قيمة العمل الأدبي ونفي كل ذي حق حقه. لكننا نعاني من عدة فجوات، أولها ندرة النقاد، وذلك لندرة الوظائف التي تؤمن للناقد معيشة كريمة. فهناك عدد كبير من الصحف والمراكز الأدبية التي لا يوجد لديها ناقد واحد متفرغ، ناهيك عن الوزارت ذات الصلة، التي لا تعتبر النقد ذا أهمية. والمصيبة الثانية هو أن معظم الدراسات النقدية تصب قدراتها في جماليات المادة والكاتب على حد سواء، من دون الإشارة إلى مواطن ضعف العمل الأدبي أو قيمته الأدبية، مقارنة بغيره من الأعمال. فالتمجيد والتطبيل هو شعار معظم الدراسات النقدية الحالية. لذلك أرى أن معظمها المعايير النقدية أصبحت هشة غير صادقة. نحتاج إلى نقاد يعيدون للنقد وهجه وللكاتب الحق حقه.

أما سؤالك “هل أعطى النقد تجربتك الأدبية حقها؟”، فلا أستطيع أن أشكو! فمعظم الذين كتبوا دراسات نقدية عن مؤلفاتي لم أكن أعرفهم سابقًا. ولقد أثراني كثير من النقاد من المغرب وعُمان وتونس ومصر والأردن والعراق ولبنان.

انهيار الوجدان.. انهيار الأمل

– ما الذي تمنحه مدينة مثل بيروت، لكاتب مثلك؟

= بيروت الساحرة، النابضة بالأدب والشعر والفن، لديها الكثير من المبدعين والأندية الثقافية والمناسبات الفكرية المتلاحقة. ولكن بعد غياب أربعة عقود، أجدني أرتب أوقاتي من أجل التفريق بين الغث والسمين.

– ماذا عنت لك ترجمة مجموعة مختارة من أشعارك بمجموعتين واحدة باللغة الانكليزية وثانية بالإيطالية؟

= عندما يختار شاعر مترجم عربي مجموعة من أشعارك ويترجمها تشعر بالفخر، ولكن عندما يُعجب شاعر عالمي بالمجموعة نفسها ويترجمها إلى لغته، تجد نفسك وقد انتقلت إلى عالم آخر من المسؤولية.

– برأيك، هل يمكن للكتابة أن تتجاوز سيول الدم وتقترح إبداعها في مواجهة الاستبداد؟

= يترنح الكاتب بين هذه العواصف دون السقوط في دوامة الانحطاط والتردي التي تعصف بالأمة لأنه وجدانها، ولو انهار الوجدان انهار الأمل. تعلمنا من التاريخ بأن الكتابة بأنواعها الأدبية والفلسفية والشعرية هي التي تبني الإنسان وتحفظ كرامته ووطنه. لذلك أؤمن كل الإيمان، بأن أمتنا تذخر بأهل الفكر والقلم الصادقين القادرين على اجتياز سيول الدم دون الغرق في مستنقعاتها أو الانحدار إلى مستوى الضغينة والكراهية التي أضحت وباء هذه الأمة. فليتحرر أهل الفكر وليتمردوا على قيود الزعامات الداخلية والخارجية، وليشعلوا شموع الحرية في دهاليز التردي، لينطلق نهر الحرية جارفًا سيول الدم، فيطهِّر النفوس ويبني وطنًا ننتظره بشوق الإيمان.

– إلى أيّ مدى ترى أن حرية التعبير ما زالت تعاني من القيود في المنطقة العربية؟

= وهل هناك حريات يا صديقي؟ عدد رواد السجن من أهل الفكر في العالم العربي في أوجه هذه الأيام. حرية التعبير في معظم بلاد العرب شكلية، تتغاضى عن كل ما هو بعيد عن كينونة المواطن الحر. فطالما أن الكاتب غير قادر عن التعبير إلا بما يريده صاحب السلطة، لن يكون كاتبًا حرًا. فكما ترى، معظم دور الصحافة العربية ذات الانتشار الكبير، يتملكها أفراد قليلون يفرضون سياسة معينة لـ “منتجاتهم”، مما يفرض على الكاتب نهجًا معينًا يخدم صاحب المال لا الحقيقة. وهذا النهج يضع إطارًا حول عنق الكاتب ليلتزم بما يمليه صاحب المال لا الضمير، فتجده لاهيًا بتوافه الأمور التي تلهي الشعب بالحب والجنس وتغريب المواطن. بعض الكتاب الأحرار الذين ما زالوا يكتبون بحرية، يحذرون أن يكتشفهم عسس الفكر ويروا بصيص شموعهم فيطفئونها ويطفئونهم.

– أخيرًا، ما هو جديدك على مستوى الكتابة والتأليف؟

= لدي مجموعة قصصية بعنوان (العميان الجدد)، مجموعة تحفل بالخيال، وكأنها من بعد آخر يدرك آلام الإنسان ومدى ضلالته، في رؤية جديدة تغلب عليها الرمزية، كما الإيحاءات والإيماءات الفكريّة. وهناك رواية جديدة بعنوان (العرافة ذات المنقار الأسود) التي يمكنني اعتبارها الجزء الثاني والأهم من رواية (الحقيقة) التي فازت بـ (جائزة ناجي نعمان للإبداع).

مقالات ذات صلة

إغلاق