قضايا المجتمع

السويداء: بين التهميش والتعفيش

كما هي، على ما مرّ خلال السنوات السبع الفائتة، بقيت السويداء على حيادها، من كل مجريات المسألة السورية وتداعيتها. فعلى الرغم من إغاثة المهجرين من أهالي درعا وتأمينهم، إقامةً وطعامًا، إضافة إلى الحملة الإعلامية التي قام بها من بقي من شباب السويداء ووطنييهم بحملة “لا للتعفيش”؛ بقيت ظاهرة “التعفيش” مستمرة ونواتجها المقززة للنفس البشرية والكرامة الإنسانية تملأ الشوارع، وبقي المجتمع المحلي حياديًا إزاء الظاهرتين؛ فلا هو يُقدم على شرائها، ولا هو يجرؤ على محاربتها الفعلية بواقعية. هذا باستثناء بعض المحاولات القليلة التي قامت بها قلة من القرى المتطرفة والبعيدة من السويداء المدينة، من منع “المعفشين” من بيع مسروقاتهم في القرية، ومثلها ظاهرة إحراق سيارتين عند مدخل المدينة الغربي، ومع هذا بقيت الظاهرة قائمة لا رادع لها، بل تقوم على مرأى من أجهزة النظام وأمنه، وأمام عين الشرطة العسكرية الروسية الموجودة في قرى وبلدات درعا المحاذية.

في الخلفية، الوجوه والأسماء التي قامت بعمليات الإغاثة وحملة “لا للتعفيش”، ومحيطهم المتضامن، هي ذاتها التي شاركت بحراك السويداء السلمي في بداياته، وأيضًا الوجوه ذاتها التي لاحقت الشباب المتظاهر وشاركت في قعمهم، وقامت بعمليات الخطف والسرقة وارتكاب الجرائم والتهريب، خلال السنوات الماضية، هي ذاتها اليوم تشكيلة من الكتائب الغرضية الوظيفية بقوام طائفي محلي متعدد المُسمى والاستخدام، هم ذاتهم، ومحيطهم المتفرخ عنهم مع الزمن، يقومون بالتعفيش والمرور على حواجز النظام، أمام عين أجهزته الأمنية وبتسهيل منهم؛ أولئك المجُندون من أصحاب السوابق وجرائم السرقة والقتل من غير المتعلمين والخارجين عن القانون، لخلق نزاعات شخصية وبينية، بين أبناء العموم والإخوة، تزيد في تشظي البنية الاجتماعية وتهمش قواها وثقلها المعنوي في المجتمع المحلي وعموم سورية، ليبقى المجتمع الأهلي بغالبيته على الحياد لليوم!

الواقع الاقتصادي المحدود والمهمش كان أهم الأدوات في تهميش وإقصاء أبناء السويداء من الحياة السياسية العامة، بعد تهميشهم عسكريًا منذ عام 1966، فاعتماد المعظم على رواتب الدخل المحدود من الوظيفة، سواء المدنيّة منها أو العسكرية، يجعل الفرد مرتبطًا بشكل خفي بمورد رزقه المهدد بالانقطاع في أي لحظة وغير قادر على الانفكاك عن منظومة النظام المبنية على الولاءات الشخصية والتبعية ونظام البيروقراطية الفاسد في الحياة الإدارية عامة. والمعروف بحكم القوانين الاقتصادية العالمية أن اقتصاد الوظيفة لا يمكنه أن يبني اقتصادًا تنمويًا أو مستقلًا، بقدر ما يبني سياسة التبعية وبالضرورة الرشوة والفساد مع الزمن.

إن واقع محافظة السويداء يشعرك بالأسى والحزن والغربة؛ فهو يكتنز الكثير من الإمكانات المحلية العلمية والفنية والأدبية والفكرية، لكنه يذهب بنفسه إلى الانعزال والانغلاق طواعية. فأبناء السويداء عامة ذوو ميول علمانية ومدنيّة، بحكم قلة القبضة الدينية تاريخيًا، وهم من محبي الحياة بغالبيتهم، آثروا العلم والتعليم تعويضًا عن تهميشهم السياسي والاقتصادي، وبحسب (يونسكو) أُعلنت السويداء عام 2008 مدينة خالية من الأمية، كما أن معظم أسرها حددت موضوع النسل مكتفية بتربية أبنائها وتعليمهم لمواجهة قسوة الحياة وشظفها. فكيف إن كانت ذات أعلى نسبة بطالة على مستوى القطر، حيث بلغت 17.6 بالمئة عام 2008 مقارنة بـ 12.3 بالمئة بباقي القطر، وهو ما يُفسّر موضوعيًا نسبة الهجرة العالية بين شبابها، وبحسب الإحصائية ذاتها، إن 25 بالمئة من أبناء السويداء مقيمون خارجها بين مسافر مؤقت وطويل الأمد، وزادت هذه النسبة مرات في الآونة الأخيرة، ولا سيما بين شبابها الذين هم في سن الخدمة العسكرية وهربوا خارج القطر، هذا مع العلم أن السويداء بعمومها لا يزيد عديد سكانها عن نصف مليون فقط! هذا فضلًا عن اقتصادها الزراعي الذي لا يكاد يتجاوز حدود الاكتفاء الذاتي في الحبوب والقمح، بينما تبقى على حاجتها الدائمة إلى المنتجات الأخرى القادمة من درعا وريف الغوطة الدمشقي.

لم يكن يتصور الخيال الجمعي لأبناء السويداء، سواء بغالبيته المدنية التي تأقلمت واستقرت مع طبيعة حياتها الوظيفية والروتينية، أو بحقلها الديني المتسامح تاريخيًا والرافض للقتل والتشدد، أن ترى نفسها وقد باتت مغلوبة على أمرها من كل الجوانب: فهي مهددة بحياتها ووجودها الكلي، سواء المرتبطون بالنظام جيشًا أو أمنًا أو من المعارضين السياسيين المهددين بالتصفية والاعتقال والطرد من وظائفهم تعسفيًا، أو عشرات الآلاف المتخلفين عن الخدمة العسكرية وملاحقاتهم المستمرة؛ فالغلاء الفاحش وسياسة تقنين المحروقات، كالمازوت والبنزين والكهرباء، تشغل معظم هموم المواطن اليومية كموظف لا يتجاوز دخله الشهري 80 دولارًا، وهو الذي يرى بأم عينه الغنى الفاحش للمهربين وعناصر الحماية المفترضة من جيش الدفاع وغيرهم، وتطورات مسيرتهم الجرمية للتعفيش وسرقة منازل الجيران في درعا وقراها، وما يسببونه من تحريض دائم لزعزعة استقرار المحافظة التي لم تكن قط إلى اليوم حاضنة للنظام بكليتها ولا للثورة أيضًا، مكتفية بالحياد ودرء الفتنة مع المحيط السوري.

المعروفيون عروبييون ووطنيون وذوي بأس وشدة، شهد لهم خصومهم من الترك والفرنسيين في ذلك قبل حلفائهم، وتأخذهم الغيرة والحميّة قبل حسابات العقل والسياسة، ويعتريهم الخوف من المجهول اليوم، وتعمل كل الأطراف على تحييدهم من المعادلة السورية، سواء من النظام أو قوى الثورة، فهل يكون الحياد فضيلة، أم يكون نارًا تكويهم من حيث لا يدرون في لحظة غفلة، أو لعبة قذرة تبيت في الغرف السرية، بغية تمرير سياسات دامية لتمزيق باقي أشلاء سورية! خاصة بعد التهديدات المعلنة منها والمبطنة، من قبل الضباط الروس الذين زاروا المحافظة قبل حملة درعا العسكرية الأخيرة، وتسميتهم عدة قوى محلية وشعبية قامت على تسليحها الذاتي لحماية الأرض والعرض كحركة رجال الكرامة، وتصنيفهم إياها بالحركات الإرهابية بغية “بزارهم”، والفعاليات الاجتماعية الأخرى، على رفع الغطاء عن أبناء المحافظة المتهربين من الخدمة الإلزامية والاحتياطية، وعددهم عشرات الآلاف، لتسهيل عمليات تعقبهم وأخذهم عنوة للخدمة العسكرية؛ ما يجعل المعادلة هذه المرة ليس معادلة معارضة قليلة العدد في مواجهة مجموعات من اللجان الشعبية وفصائلها المسلحة، بل مواجهة مع الواقع المحلي بكتلته الأهلية وموروثه العصبي الأقلوي القائم على حماية وجوده وتمسكه بأرضه واستمرار حياته بهدوء وسلام، فهل تُختبر حيادية المجتمع الأهلي المعروفي في قادم الأيام فعليًا، أم تزداد تهميشًا وتبعية وإخضاعًا، أم ستسعى “لتأسيس شراكةٍ مع محيطٍ معتدل في دولةٍ تعددية يقدّمون فيها أنفسهم، كعربٍ موحدين”، كما جاء في بحث سابق للدكتورة نجاة عبد الصمد في هذا السياق، ويشاركون في صياغة حياتهم السياسية والمدنية من دون تعرضهم للاعتقال والعنف والتهجير؟

مقالات ذات صلة

إغلاق