قضايا المجتمع

ثعالب الاقتصاد.. عن المدن التي تحوّلت إلى شارع خلفي

“من لا يريد أن يختار طريق الجريمة، من أجل العيش؛ فسيختار طريق الجنحة بكل تأكيد”. بكل هدوء يتحدث إليك، وهو على قناعة بأن الحرب التي تعيشها بلاده قد فرضت عليه أن يواصل الحياة، أن يختار أهون الشرور على لوائح الاقتصاد الأسود.

المكان: ساحة المرجة، وسط مركز دمشق التجاري، حيث ترتبط ذاكرتها المتخمة، بقصص الموت، والعصيان، والتظاهرات، على مدار عقود طويلة، توالت فصولها منذ بداية القرن الماضي.

أمام جادة قديمة، تحتل الحيز الأكبر من منعطفٍ على الطريق المؤدي إلى النصب العثماني، وسط الساحة (وكان قد شهد خلال المئة عام الأخيرة تحولات السياسة في مراحل تاريخية شهيرة، بدءًا من الانتداب الفرنسي عام 1920، مرورًا بالديمقراطية الوليدة وانقلاب العسكر عليها بما في ذلك انقلاب الأسد الأب، وانتهاء بعودة الانتداب الروسي عام 2015)، هناك حركة دائمة لاشخاص أشبه بالثعالب، ينشطون على مدار اليوم بحثًا عن طريدة بشرية، يلتهمون ما في جيوبها من أموال، مقابل خدمات استثنائية، تندرج عمومًا على لوائح الممنوعات، بحسب القانون العام.

أحدهم يحاذيك فجأة، ويخاطبك بهمس: لدينا أخضر، وآخر بابتسامة عريضة: لدينا أبيض، وثالث: لدينا أحمر. ولأنك الشخص البسيط غير المعني، سيقع قلبك في يدك، وسترتجف أطرافك هلعًا، وخوفًا، من أن يكون الأمر مصيدة مخابراتية، للإيقاع بك، وتسفيرك كما العادة إلى ما وراء الشمس، بجرم لا علاقة لك به.

في رواية ينبغي عدم التقليل من خطورتها، ترمز الألوان الآنفة، إلى ثلاثة أنواع من الأنشطة الرائجة في سورية، ترتبط على التوالي بتجارة الدولار، وتجارة الرقيق الأبيض والمخدرات، وتجارة الأوراق والبيانات الممهورة بأختام “طبق الأصل” الحكومية، ذات اللون الأحمر.

في المدن التي حطمتها الحروب وجففت أحاسيسها، تغلب التفاوتات المريعة، ويُطبّع اقتصاد العنف علاقات الأفراد والجماعات، وتتحول الشوارع المفتوحة إلى ملاذات مغلقة، تزدهر فيها صناعة الفساد على نطاق واسع.

لم تعد ساحة المرجة المثال الأوحد لهذا التحول؛ فبعد مضي سبع سنوات على الحرب؛ انفصلت البلاد عن ثقافتها، واغتيل تاريخها، وهوت المدن المكسورة برمتها، إلى القاع. وبخلاف ما تم تدريسه في مدارس البعث، أصبحت الوطنية مجرد ملعب خلفي، يتحرك فيه الثعالب، بسلطات غير مقيدة، تستمد قوانينها من شريعة الغاب، حيث يتجرد السلوك من العاطفة، وينشط الأفراد بلا وازع أو ندم أو تأنيب ضمير.

في حي أبو رمانة، الأرستقراطي، وشارع قصر الضيافة القديم، المنطقة الأكثر ثراء، تزدهر تجارة الممنوعات علنًا؛ وقد اعترف الأطفال الذين استنشقوا أبخرة مادة كيميائية سامة، وأغمي عليهم في حديقة السبكي، بأن مصدر المادة هو محال وأكشاك في هذه المنطقة، تروج لتعاطيها دون شروط.

وفي مشروع (دمّر) السكني، اكتُشفت شبكة يديرها رجل أعمال، تنشط في مجال تجارة الرقيق الأبيض، تضم عشرات الفتيات، وكانت تقيم حفلات خاصة للشاذين جنسيًا. ونُقل عن مدير الشبكة قوله إنه كان يدعو المثليين عن طريق الموقع الأزرق، للحضور في السابعة مساء يوم الجمعة، حيث يرقص الحضور عراة.

وفي بلدة صغيرة تقع على تخوم دمشق الجنوبية الشرقية، يعمل أكثر من 200 منزل بتجارة الرقيق الأبيض.

لا تختلف الأحياء الراقية عن الأحياء الفقيرة على هذا الصعيد، ولا تختلف دمشق عن حلب، ولا حمص عن طرطوس، ففي ظل فوضى الحرب، وشيوع العنف، وانهيار نظام الحماية والأمان المجتمعي؛ تصدعت الشبكات الأهلية، وغدت البلاد أشبه بشارع خلفي، تتنازعه استقطابات هشة، فككت العلاقات والروابط، وشكلت قيمًا جديدة، تتبنى ثقافة استغلال الأطفال والنساء، وأنشطة القتل والخطف والتعفيش.

على المستوى الرسمي، لا يبدو الأسد قلقًا مما يجري حوله، فقد وفرت شوارع المدن الخلفية مصادر تمويل لمؤيديه، بعد أن تحول القسم الأكبر من شبيحته، وعناصر لجانه الشعبية، وقوات دفاعه لاحقًا، إلى تجار، وسماسرة، ووسطاء، يمتلكون من المزايا والامتيازات، ما يشجعهم على الاستمرار في تجارة الدم من أجل الربح، واقتناص فرص جديدة للإثراء.

تختلف الأرقام حول ما جنى هؤلاء من مكاسب، لكن تقديرات مستقلة تؤكد أن الشوارع الخلفية وفرت لأفرادها دخولًا متحققة، تفوق قيمتها أضعاف واردات الدخل الحكومي. فقد رفعت تجارة الرقيق الأبيض وتجارة العملات الأجنبية وتجارة الأوراق المزورة، بعض الأفراد والناشطين، إلى مصاف الأثرياء، وازداد ثراؤهم أكثر، عندما مهدت ثرواتهم الضخمة الطريق أمام انخراطهم في عمليات كبيرة، وصفقات تجارية مع مسؤولين عسكريين في جيش الأسد، لشراء وتوزيع المحروقات وتهريب الآثار وتأسيس شركات صورية، لا تمارس أنشطة فعلية، باستثناء حسابات مصرفية، تستثمرها في غسيل المال القذر.

مقالات ذات صلة

إغلاق