سلايدر

كيف ترسم الاستخبارات الروسية الخطة الإعلامية لدفن الحقيقة؟

في لقاء جرى قبل 34 عامًا، أوضح عميل منشق عن استخبارات ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي يوري بيزمينوف، أن عمل الاستخبارات السوفييتية (كي جي بي) لم يكن يركز على الجاسوسية وتلقط المعلومات، كما يعتقد كثيرون، بل إن أكثر من 85 بالمئة من عمل الـ “كي جي بي” كان مركزًا على ما سماه بيزمينوف “التشكيك الأيديولوجي”، أو الحرب النفسية.

أضاف في مقابلة مصورة له، مع الكاتب الأميركي جي إدوارد غريفين، في عام 1984، أن ما يعنيه بعملية “التشكيك الأيديولوجي” هو “تغيير مفهوم الواقع لكل مواطن أميركي، حيث يصبح غير قادر على الحصول على نتائج منطقية، بالرغم من توفر كافة المعلومات التي يحتاج إليها”. وبكلام آخر: أن يرفض الواقع المدعم بالأدلة القاطعة، تحت وطأة الدعاية ولوثة الشك.

هذا الحوار استحضره أحد المواقع الأميركية، لمحاولة تفسير ما يقوم به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تجاه أميركا، لا سيما مع الفضيحة التي فجرها ترامب، بعد قوله إنه لا يثق أو لا يصدق ما تقوله الاستخبارات الأميركية.

كلام العميل السابق، في تلك المقابلة المهمة، عن أسلوب عمل البروباغندا السوفييتية، يفسر الكثير مما تفعله حاليًا روسيا بوتين، لا سيما في سورية.

فالدعاية الروسية ليست مهتمة -كما نعتقد- بتبييض صفحة الكرملين، أو كسب تأييد عالمي لحرب بوتين، بقدر ما هي مهتمة باستهداف الحقيقة وتزييف وعي الناس، بدءًا من السوريين أنفسهم إضافة إلى الشعوب الأخرى.

مع تمكن بعض أفراد منظمة الدفاع المدني السورية (الخوذ البيضاء) من الوصول إلى الأردن عبر “إسرائيل”، تمهيدًا لانتقالهم إلى عدة دول غربية؛ انطلقت من جديد ماكينة الدعاية الروسية بشكل مكثف، لإعادة الهجوم على هذه المنظمة التي تصدت، عبر أفرادها من أبناء الشعب السوري، لآلة الحرب والتدمير الروسية، وساهمت في إنقاذ عشرات الآلاف.

رصدت المختصة بالعلم السلوكي behavioral scientist كارولين أور، على صفحتها بموقع (تويتر) الحملة الأخيرة التي شنتها روسيا، عبر عملائها على الشبكة العنكبوتية. وقالت أور في تغريدة لها، يوم الاثنين 23 تموز/ يوليو: إن الحسابات المرتبطة بروسيا عادت إلى شن حملة تشهير بحق (الخوذ البيضاء)، حيث إن هاشتاغ #WhiteHelmets كان هو الأعلى تداولًا من قبل هذه الحسابات في الساعات الـ 36 الماضية.

في تغريدة أخرى، تقول أور: إن موقع تلفزيون (روسيا اليوم) كان الأنشط في الحملة على (الخوذ البيضاء) يوم الاثنين، إضافة إلى الناشطة البريطانية المعروفة بهجومها المتكرر على (الخوذ البيضاء)، وبولائها لموسكو فانيسا بيلي.

بحسب المخططات والبيانات التي ينشرها موقع “التحالف من أجل حماية الديمقراطية” المختص بمتابعة نشاطات الحكومة الروسية على (تويتر) والحملات التي تشنها عبر وكلائها، من الواضح وجود تزامن دقيق بين مختلف الأطراف التابعة للكرملين، في إطلاق حملتها.

الحملة الروسية على (الخوذ البيضاء) ليست جديدة، بل بدأت مع مباشرة الطائرات الروسية حرب بوتين على سورية، وشنت موسكو حملة تشكيك واسعة؛ فاتهمت أفراد الدفاع المدني مرة بالانتماء إلى (داعش)، وأخرى إلى القاعدة والاستخبارات الأميركية والبريطانية، واتهمتهم بفبركة الانفجارات وقتل أهلهم، كما قامت بنشر عدة صور ومقاطع فيديو مفبركة أو خارج سياقها، لتزرع الشك عند المتلقي في حقيقة هذه المنظمة.

الحملة الروسية لم تهدأ ولم تتوقف يومًا، حيث إن المكلفين بها، مثل البريطانية بيلي التي لا يكاد يمر يوم واحد، من دون أن تهاجم (الخوذ البيضاء)، وتعيد في هجومها استخدام مقاطع الفيديو والصور التي تنشرها أذرع أخرى لروسيا، وتسميها بالمصدر الموثوق والحيادي.

لعبة المصدر في الدعاية الروسية، عبر (فيسبوك) و(تويتر)، تبدو مثيرة، فهي تقوم بنشر مقالات مليئة بالكذب والافتراءات في مواقع ومدونات غير معروفة وذات أسماء طنانة، ثم يتم إعادة نشرها عبر وكلائها على أنها تأتي من مصادر غربية.

الحملة الروسية، التي اشتركت فيها وزارة الدفاع الروسية، ركزت على أن تهريب أفراد (الخوذ البيضاء) إلى الأردن دليلٌ على تبعيتهم للغرب، علمًا أنه من المعروف والمصرح به أن المنظمة تتلقى تمويلًا غربيًا، وهو شيء لم يتم إخفاؤه أو التهرب منه يومًا.

من جهة ثانية، ركز النظام السوري في حملته على دور “إسرائيل”، متهمًا (الخوذ) بالعمالة، وبدأت الحسابات التابعة له بكيل الشتائم وتوجيه الاتهامات بكثافة وتركيز مدهش.

الحملة الروسية المستمرة منذ ثلاث سنوات على هذه المنظمة، لا شك أنها أثمرت، فالمنظمة التي رأى العالم أجمع بطولات أبنائها وتفانيهم في إسعاف السوريين، ونشل الضحايا من تحت الأنقاض، والمنظمة التي تعتبر مقارها الهدف الأول في كل هجوم روسي على بلدة أو مدينة سورية، احتاجت إلى أن ترد على هذه الحملة في عدة مناسبات، آخرها سردها لقصة تهريب بعض أفرادها إلى الأردن عبر “إسرائيل”، وهذه الردود تعني أن المنظمة شعرت بتأثير هذه الحملة عليها وعلى مصداقيتها بين الناس، وهذا مؤسف بحق.

الحملة الروسية المستمرة من دون كلل ولا ملل، زعزعت الثقة بالمنظمة، ودفعت الكثيرين إلى التشكيك والتساؤل، بالرغم من مقاطع الفيديو المرفوعة على مواقع المنظمة، بل إن بعض من عاش القصف، ورأى أفعال (الخوذ البيضاء) بعينه، وكيف يهرع رجال المنظمة إلى الأماكن المستهدفة قبل الجميع، بالرغم من الأخطار، شكك وطرح السؤال البريء، الذي هو هدف الحملة الروسية الأساسي: ليس من المعقول أن كل ما يقال هو كذب؟ فلا دخان بلا نار. ببساطة نجحت موسكو بزرع الشك حتى بما رآه ولمسه بيديه.

الحرب الإلكترونية الحالية، التي أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي ساحة معاركها، تعتبر من أذكى أنواع الحروب، وكما هو واضح، فإن الأنظمة الشمولية نقلت استراتيجياتها في التحكم بشعوبها إلى هذه الساحات التي امتلأت بجيوشها، وتعددت أشكال الحرب النفسية، ونشر الأكاذيب، حيث بات لكل شيء يحدث أكثر من رواية، وتبقى رواية هذه الأنظمة هي الأكثر انتشارًا، بسبب التزام عناصرها واتباعهم أشكالًا منسقة في الهجوم والتشكيك، وعدم اهتمامهم بأي قواعد أخلاقية أو صدقية ما يقولوه. فقضية (الخوذ البيضاء) حاليًا تتفاعل بين الناس، وعلى صفحات الإعلام من ناحية جواز أوعدم جواز مرورهم عبر “إسرائيل”، بينما تغيب قضيتهم الحقيقية، والسؤال الأهم عن سبب اضطرار أفراد منظمة إنسانية بامتياز إلى الهرب، تحت جنح الظلام من تهديدات روسية.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق