أدب وفنون

سورية مهد الثورة وحوران شرارتها

يخطئ الجميع في التعبير عن حوران، في أنَّها مهد الثورة، وما هي إلا شرارتها التي أشعلت نارًا في قش النظام، الذي احترق وأحرق معه “سوريا الأسد” التي ذهبت إلى غير رجعة، وحلّ محلها مناطق نفوذ لميليشيات، وقوات احتلال متعددة الجنسيات، ويدفع الأسد -الذي تحول إلى موظف ينتظر قرار فصله غير التعسفي- ثمنَ بقائه تقسيطًا ونقدًا.

درعا أشعلت نارًا في القش اليابس، وما زال يحترق ويشتعل، على الرغم من كل ما بذله بشار من إجرام لكي يطفئه. ولا بدّ للجميع أن يعي ماهية مهد الثورة، فمهد الثورة كان خمسين عامًا من الاستبداد والقتل والظلم والفساد والإجرام وانعدام الكرامة وانعدام القيم الوطنية.

مهد الثورة كانت سورية على امتدادها وامتداد أعراقها، فمِن سلبِ الكرد هويتهم السورية وإجبارهم على لفظ “عربي سوري” في حقل الجنسية، إلى قهر السنّة بتولية سَفلة الطائفيين عليهم، إلى ابتزاز البرجوازية الوطنية وشتمها ليل نهار في الكتب المدرسية، واعتبارها أساس التخلف، مع أنها هي من أنتجت سورية وعاش النظام على بقاياها.

مهد الثورة كان في احتقار المواطن السوري وإذلاله، بأن يعيش في “سوريا الأسد”، وإجباره على أن يحمد ربه أنْ قبل به الأسد.

مهد الثورة كان في استحداث خمسة عشر فرعًا أمنيًا، خارج منظومة الدستور الذي شكله أصلًا الأسد الأب، وحوله إلى لعبة بيده، مع ذلك لم يستوعب دستوره شهوته إلى الدم، فأسس فروعًا تحصي على المواطنين أنفاسهم، وتلاحق أحلامهم.

مهد الثورة هو إقناع الشعب بأنَّ انقلابًا عسكريًا أصبح “ثورة”، وأنَّ انقلابًا آخر وخيانة رفاق السلاح هو “حركة تصحيحية”. مهد الثورة في إقناع الشعب أن الأسد “بطل الحرب والسلام”، وهو حامي حمى إسرائيل. مهد الثورة في تعديل الدستور في خمس دقائق، ووضع أول نظام سياسي من نوعه النظام الجملكي “جمهوري ملكي”.

مهد الثورة أن تقرأ كتب التاريخ المدرسي، ولا تمر على الفترة الذهبية في الجمهورية الأولى، واليتيمة عهد الاستقلال، إلا عند ذكر نكبة ثماني وأربعين 48، وتقتنع أن ما جرى في 67 هو مجرد نكسة.

مهد الثورة يكمن في أول حالة في العِلم العسكري في العالم، أن وزيرًا للدفاع يخسر حربًا، وتُحتل أرضه، فيصبح رئيسًا للبلاد مكافأة على هزيمته.

نعم. مهد الثورة ليست درعا، مهدها سورية الخوف والقمع والسجون العامرة بالمتنورين. مهد الثورة، وسبب قيامها، وسبب استمرارها هو وجود نظام متحالف مع كل قوى الشر على شعبه.

مهد الثورة سورية التي لم تعرف حربًا طائفية قبل حكمهم، وبعده كرسها وجعلها حكمًا طائفيًا، لن تنجو طائفته منه بفعل حركة التاريخ والاستنزاف لها في حريق الشعب السوري.
نعم مهد الثورة يكمن في صورة الأسد المطبوعة على كل شيء حتى عملة البلد.
مهد الثورة أن ترى السلاح المكدس منذ عشرات السنين، وتكتشف أنه أُعدّ لقصف الشعب الذي دفع ثمنه.

مهد الثورة يكمن في أنَّ رئيسًا للبلاد تمرّ بلاده بأزمة وجود، ويضحك في خطابه الأول، بعد قتل العشرات من شعبه على يده عناصر أمنه. مهد الثورة في مجلس الشعب الذي لا شعب له ولا مجلس.. مهد الثورة أن القضاء ليس فيه من اسمه إلا القضاء على أي قيمة إنسانية.

من لا يرَ كل هذا مهدًا للثورة؛ لا يعرف الثورة، ولذلك فإن التاريخ لن يرجع إلى ما قبل 2011، هكذا تقول قوانين التاريخ ونواميس الشعوب؛ فالشعب أبقى، وما دام هناك من يهرب من الموت ولا يسلم نفسه للقاتل، فالثورة مشتعلة. وما دام كل ما ذكرته سابقًا موجودًا فالثورة مشتعلة.

الثورة ليست عسكرية أصلًا، لكي تهزم عسكريًا، بل كان الكفاح المسلح أحد تجلياتها ووسائلها.
الثورة ثورة على كل ما سبق. ثورة تمتلك كل هذه الأسباب لقيامها واستمرارها، وليس في قاموسها أن تنتهي.

مقالات ذات صلة

إغلاق