مقالات الرأي

السويداء تدفع ضريبة حرصها على التوازن الوطني

ما زالت ارتدادات صدمة المجزرة الرهيبة المدانة بكل المقاييس، التي كانت السويداء العزيزة ضحية لها هذه المرة، مستمرة، تهز الوجدان السوري العام من الأعماق. وما زالت أسئلة كثيرة مفتوحة تنتظر الإجابة. أسئلة تبحث عن دوافع الجريمة والمستفيدين منها، ومعرفة كيفية التنفيذ، والظروف التي مكّنت الجناة من تنفيذ جريمتهم الهمجية غير المسبوقة في تاريخ المحافظة، والنادرة على مستوى سورية والمنطقة.

هذه الجريمة قد ذكّرتنا بتلك التي ارتكبها (داعش)، في منطقة دير الزور عام 2014 التي استهدفت قبيلة الشعيطات انتقامًا لرفضها الخضوع للتنظيم المتطرف، وراح ضحيتها أكثر من 700 شخص من أبناء القبيلة المعنية. كما ذكرتنا الجريمة المعنية بتلك التي قيدت باسم (داعش) في مدينة كوباني (رمضان 2015)، وذلك بعد عودة سكانها إليها، إثر تلقيهم تأكيدات من سلطات (ب. ي. د) بأن المدينة آمنة، وأنها على أتم الاستعداد لاستقبال أهلها. ولكن الذي حصل هو أن العائدين تعرضوا في ليلة ليلاء لمجزرة وحشية، إذ تم إعدام المئات منهم في منازلهم بأسلحة بدائية. ولم تجرِ السلطات المعنية أي تحقيق مهني حول ما حصل، أو أنها على الأقل لم تنشر الوقائع التي تم التوصل إليها، لتكون تحت تصرف هيئة تحقيق مستقلة.

ويبدو أن القاسم المشترك بين ما حصل اليوم في السويداء، وما حصل في كل من دير الزور وكوباني، يتمثّل في ترويع السكان بقصد دفعهم نحو ترك ديارهم. ولكن الهدف الأبعد هو ضرب النسيج المجتمعي السوري من الداخل. فـ (داعش) في دير الزور كان يمثل السنة المتشددين في مواجهة السنة المعتدلين، وفي كوباني كان يمثل “العرب” في مواجهة الكرد. وهو اليوم في السويداء يمثل “السنة” في مواجهة الدروز. وفي جميع الحالات يكون المستفيد هو النظام الذي يسوّق نفسه على أنه النظام “العلماني”، “الحامي للأقليات”، “المحارب للإرهاب”. بينما هو في حقيقته نظام استبدادي فاسد مفسد، متحالف مع نظام ولي الفقيه الإيراني، وذراعه في لبنان “حزب الله”. ويقيم العلاقات مع مختلف الجماعات الإرهابية. وهو منذ أيام الأسد الأب، بل منذ أيام التصفيات ضمن حزب البعث ولجنته العسكرية، يعتمد سياسة ضرب المكونات السورية بعضها ببعض. فهو نظام لا يمكنه أن يعيش مع وحدة النسيج المجتمعي الوطني السوري المتماسك. وقد أُصيب بهلع كبير لدى انطلاقة الثورة السورية في ربيع 2011، إذ وجد نفسه أمام ثورة مدنية ديمقراطية، تطالب بالقطع مع سلطة الاستبداد والفساد. ثورة شارك فيها كل مكونات الشعب السوري، وكانت الشعارات تشدد على وحدة السوريين، بكل خصوصياتهم الدينية والمذهبية والقومية؛ فلجأ إلى خططه القديمة في ميدان تمزيق المجتمع السوري، مذهبيًا ودينًا وقوميًا. وكانت المجازر المتتالية في مناطق الاختلاط المذهبي في الساحل وحمص، وكان تصنيع (داعش) الذي تحوّل لاحقًا إلى كوكتيل مخابراتي، شاركت فيه جملة القوى التي كانت معنية بتوجيه دفة الأمور في سورية، نحو المسارات التي تنسجم وخططها ومصالحها، وعلى حساب تضحيات السوريين وتطلعاتهم.

وهكذا بدأت عمليات خطف رجال الدين المسيحي، والاعتداءات على بعض القرى المسيحية، وكان تهديد الإسماعيليين؛ ومن ثم كانت الفتنة الكبرى في سري كانيي/ رأس العين، وكوباني/ عين العرب؛ واليوم في السويداء. كل ذلك بهدف ترسيخ زعم كاذب، متهالك متهافت، مفاده أن النظام كان الضمانة، وأن بديل ضعفه، أو غيابه لن يكون سوى الفوضى العارمة، والإرهاب الظلامي.

والسؤال الذي يفرض ذاته بإلحاح هنا هو: لماذا السويداء بالذات وفي هذا الوقت بالتحديد؟

إننا إذا وضعنا استراتيجية النظام المعهودة، في ميدان التعامل مع الواقع السوري، خلفية لتفكيرنا، لن نتعب كثيرًا في اكتشاف الجواب. فالحكماء العقلاء في السويداء قد تمكنوا على مدى سبع سنوات قاسية، مفعمة بالتعقيدات والتداخلات، من الحفاظ على التوازنات المحلية والمناطقية والوطنية، ولم ينجرّوا إلى لعبة النظام الذي حاول، من خلال بعض أدواته في المحافظة، بث روح الفرقة والكراهية بين سكان المحافظة، ونسيجهم المجتمعي الوطني السوري الأشمل. كما أنهم رفضوا إرسال أولادهم إلى حرب النظام على السوريين؛ فكانت الرسالة الدموية، المغلّفة داعشيًا، ولكنها في جوهرها رسالة النظام إلى سكان السويداء، وإلى الزعامة الدرزية التاريخية في لبنان، رسالة تؤكد أن كل من لا يسبّح بحمد النظام هو في دائرة الخطر. وما كان للنظام أن يرسل رسائل كهذي، لولا الدعم الكبير الذي يلتقاه من رعاته الروس والإيرانيين؛ ولولا سكوت المعنيين المستفيدين من وجوده والتزاماته. وإلاّ فكيف لنا أن نجد تفسيرًا لتحرّك مجموعة همجية بدائية نحو السويداء، في منطقة مراقبة بأحدث الأقمار الصناعية وأنظمة الرادارات؛ وتعج بالطائرات والقوات المتعددة الجنسيات، وسائر أنواع الأسلحة.

ما حدث لبني معروف الدروز، السوريين قبل أي اعتبار آخر، في السويداء، يذكّرنا بما حدث للأيزيديين في شنكال/ سنجار مع الأخذ بعين الاعتبار أن مأساة الأيزيديين كانت أفظع وأقسى من جهة أعداد القتلى، والخطف، وبيع النساء والأطفال في أسواق النخاسة الجنسية المشرعنة داعشيًا. وما زالت مأساتهم مستمرة، حيث يعيش معظمهم في مخيمات تفتقر إلى أبسط مقوّمات العيش، على بعد عدة كيلومترات من منازلهم الممنوعة عليهم؛ لأن فصائل “الحشد الشعبي” تتبادل السيطرة مع قوات (ب. ك. ك) على مناطقهم، وذلك انتظارًا لتوجيهات وأوامر المتمكّنين المتحكّمين بملفات المنطقة، خاصة من الجانب الإيراني الذي وصل إلى مرحلة التفرعن والتمدد في مختلف الأقاليم، في مناخ التجاهل الأميركي، والتفاهم الروسي – الإسرائيلي.

وبمناسبة المقارنة بين مأساة الدروز والأيزيديين، تجدر الإشارة هنا إلى وجود أوجه تشابه كثيرة بين المجتمعين، من ناحية أداء الطقوس الدينية، وتوزع المهمات بين رجال الدين، وعلاقة هؤلاء مع عامة الناس. هذا فضلًا عن أحكام الزواج، والتشدد مع حالات الزواج من خارج نطاق الطائفة. ولكن من الأفضل أن نترك هذا الموضوع للباحثين المختصين المهتمين بمسائل كهذي.

مذبحة السويداء لم تكن الأولى الموجهة ضد السوريين، ولن تكون الأخيرة، إذا ظلّ النظام المسؤول عن كل ما حدث، ويحدث، في سورية من قتل وتدمير وتهجير خارج دائرة المساءلة والمحاسبة.

فيوم أمس، تواردت الأنباء حول تلقي الأهل في داريّا نبأ إعدام 1000 من أبنائهم، في سجون النظام. وهذا الرقم هو بالتأكيد مجرد دفعة على حساب المعنيين بقضايا حقوق الإنسان في العالم. وهو صفعة على وجوه كل أولئك الذين يستعدون منذ الآن للتعامل مع النظام، كونه أفضل الشرور.

مقالات ذات صلة

إغلاق