مقالات الرأي

الثورة السورية: هزائم وانتصارات

يعمل النظام الأسدي وحلفاؤه، بلا هوادة، على ترسيخ حالة استعادة المناطق السورية التي سبق أن طردته منها قوى المعارضة السورية، بخاصة في الأعوام الثلاثة الأولى من عمر الانتفاضة، وظلت تحت سيطرتها حتى بدء العمليات العسكرية الروسية الشاملة في أيلول/ سبتمبر 2015، التي هدفت إلى ضرب قوى الثورة السورية، والوصول إلى تسوية سياسية وفق الحل الروسي آنذاك، مرورًا بعودة النظام إلى المدن والبلدات التي خرجت عن سيطرته، سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا. وقد تمكنت القوة العسكرية الغاشمة الروسية – الإيرانية، من تحقيق أهدافها بنسبة كبيرة، وأضحت سورية بلدًا محتلًا من قبل ثماني قوى إقليمية ودولية، في ظل غياب للسوريين عن البحث في مصير بلدهم.

لم يعد ممكنًا الحديث عن التسوية السياسية، إذ يجري على نحو منظم تقديم الحل العسكري على أي مسألة أخرى، ومن ضمنها مسارات جنيف وأستانا. موسكو لم تكن معنية بالتوصل إلى أي تسوية سياسية، وجميع المبادرات التي تقوم بها، ليست سوى ذرّ للرماد في العيون، ولكسب الوقت، من أجل تحقيق ثلاثة أهداف أساسية، هي العمل على ترتيب البيت الدولي بما يقود إلى القبول بدور روسي حاسم، والثاني هو عزل قوى المعارضة السورية وتفتيتها، وأخيرًا إحداث نقلة نوعية على الأرض في الداخل السوري.

عمل تحالف القوى المضادة للثورة السورية على تحقيق تلك الأهداف، كما هو موّثق، باستخدام مختلف صنوف الأسلحة، حتى المحرّمة دوليًا، وكانت الغاية هي إحداث أكبر قدر من التدمير والقتل، وارتكاب المجازر المروعة، بحق المدنيين، في مختلف المناطق السورية.

بلا شك، حققت موسكو تقدمًا كبيرًا في الوصول إلى أهدافها، وشكلت ردات الفعل الدولية الخجولة حينًا، والغائبة في أحيان كثيرة، دعمًا حقيقيًا لها وللنظام السوري، وفي مقدمها مواقف الولايات المتحدة، بخاصة منذ صعود ترامب إلى البيت الأبيض، وقد سمحت سياساته بتبلور تحالفات المصالح الدولية حيال سورية، وتراجع القوى الإقليمية والدولية، عن دعمها للثورة السورية، في سياق إجهاض ثورات الربيع العربي، وجعل الثورة السورية آخرَ الانتفاضات في المنطقة، بما شهدته من مواجهات دموية ومصاير مريرة، كانت وليدة توافقات دولية، لمنع مواجهة الاستبداد، والنزوع إلى الحرية والديمقراطية.

قاد القبول بإحلال مسار أستانا بديلًا من جنيف، إلى تراجع دور المجتمع الدولي وانكفائه عن مواصلة جهوده بشأن سورية، كما قاد ذلك إلى تعزيز الذهاب نحو أشكال وهمية، لتذويب القضايا الجوهرية للحالة السورية، مثال اتفاقات خفض التصعيد، التي تعتبر رصيدًا مهمًا للنظام، تضاف إلى الهُدن والمصالحات المناطقية التي دأب على القيام بها، بعد فرض الإغلاق التام وحصار تلك المناطق، وقد شكلت تلك -في معظمها- أرضية أساسية لإعادة تعويم النظام، في ظل الحرب على الإرهاب، واعتباره شريكًا مهمًا فيها، بناء على دعم روسي وقبول إسرائيلي، ولم يعد رحيل الأسد ونظامه مطروحًا.

اليوم، تُسارع روسيا في العمل على حماية تلك المنجزات، التي يراها النظام الأسدي انتصارات تحققت له، ويجري تدعيمها بخطوات يراد لها أن تكون عاملًا مهمًا في إشاعة الهزيمة وتثبيط الآمال، ونشر روح الإقرار بانتصار النظام على عدوه: الشعب السوري، وذلك عبر القيام بالكشف عن مصير ما يقارب ثمانية آلاف معتقل من عشرات الآلاف من مجهولي المصير في سجون الأجهزة الأمنية والفرقة الرابعة، وغيرها، ولا تهدف إلى محاولة إغلاق هذا الملف فحسب، وإنما إلى إحداث خلخلة جديدة في المجتمع الرافض لاستمرار سيطرة الأسدية. هذه واحدة من وسائل بث الرعب والخوف التي يقوم بها النظام، عبر المجازر البشعة، وآخرها مذبحة السويداء، واستباحة وادي اليرموك، بعد استعادة السيطرة على حوران. فيما يجري التحضير لغزو ما تبقى من المناطق التي تُسيطر عليها المعارضة السورية والفصائل المسلحة، في الشمال.

يجدر بنا الاعتراف بالهزيمة، وبأننا نتذوق مرارة الانكسار. من الصعب القبول بذلك، والإقرار بالنتائج التي بدأت الظهور والتبلور تدريجيًا منذ مؤتمر فيينا، الذي سجل فيه أول قبول بالتراجع عن مبادئ جنيف، لتأتي القرارات الدولية غير ذات جدوى فيما بعد! وأننا شاركنا في الوصول عما نحن عليه اليوم، بقبول دور أساس للقوى الدولية، على حساب قرارنا الوطني في الثورة السورية، وفي أننا بدأنا نُهزم منذ أن سمحنا للتسلح بأن يأخذنا إلى مسارات بعيدة عن غايات الثورة، ومنذ أغمضنا أعيننا عن الفساد المريع الذي ظهر سريعًا في أوساطنا منذ البدايات، منذ 2012، ومنذ أن قلنا بأن أي انتقاد لما يحدث في الثورة، سيصبّ في خدمة النظام الأسدي.

الأسباب الموضوعية معروفة، واضحة ومحددة: غياب القيادة وضعف متصدري الثورة، وغياب الرؤية المستقبلية، والارتهان للآخر، وتغييب إرادة العمل الجماعي، إضافة إلى الصراعات الجانبية حول المصالح الضيقة في الاستحواذ على السلطة والمال، والتغاضي عن تدحرج كرة الفساد والتسلح والفوضى، بل المشاركة فيها، في الوقت الذي كانت فيه روسيا وإيران والنظام، يحققون اختراقات أمنية عميقة في صفوف الثورة.

لنسمّ الأمور بأسمائها، ثمة هزيمة، وانكسارات، خيبات، وآلام، وثمة تضحيات كبرى يندر مثيلها في التاريخ المعاصر. والاعتراف بما آلت إليه أوضاعنا هو الطريق الصحيح لإعادة الاعتبار إلى الثورة السورية، وإلى قيمها ومبادئها، وإلى إذكاء شعلتها، لضمان استمراريتها بالرغم من كل الظروف التي تجهد للحيلولة دون ذلك.

الاعتراف يجب أن يقود إلى المسائلة، ومراجعة التجربة، كلٌ في موقعه. ومطلوب من المعارضة السورية: مؤسساتها الأساسية، أن تذهب إلى المراجعة، وإلى تحديد المسؤوليات وتحمّل نتائجها، وأن يقود ذلك إلى مراجعة جذرية في دور ومهمات تلك المؤسسات. مؤسسات المجتمع المدني، الائتلاف، والمجلس الوطني، والحكومة المؤقتة. ما قيمتها، وما هو دورها، ماذا قدمت، وهل نحن بحاجة إلى استمرارها حقًا، أم أنها باتت تشكل عبئًا كبيرًا؟

من المهم جدًا أن تلك المراجعات –بالضرورة- يجب أن تشمل الشخصيات التي تصدرت مشهد المعارضة السورية، وفشلت في تحقيق حدّ أدنى من التوافق بين مكونات مؤسسات المعارضة وأطيافها المتعددة، ولم تستطع وضع استراتيجية عمل جماعي، ورؤية للمستقبل، وبالطبع لم تتمكن (المؤسسات والشخصيات) من توليد قيادة سياسية للثورة، التي ظلت تبحر بلا ربان.

هذه خطوات الحدّ الأدنى، لاستعادة الثورة، وفي تجديد صورتها لدى الآخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق