سلايدرقضايا المجتمع

رجال الدين المسيحيون في سورية وخدمة الاستبداد

يقول المثل الدارج: “تمخض الجبل فولد فأرًا”. وهكذا تمخض (اجتماع باري) جنوب إيطاليا، للبطاركة والمطارنة المشرقيين ورجال الدين المسيحيين، ليتفتق عن تصريحات خرقاء حول “علمانية النظام الأسدي” وضرورته للدولة السورية. وهو الاجتماع الذي عُقد في السابع من آب/ أغسطس الجاري، بمشاركة بطاركة من سورية ولبنان، بدعوة من البابا فرنسيس للمطالبة بمساعدة دولية تتيح عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم.

بالطبع، لن ندخل في متاهة الغوص في التاريخ الأسود لرجال الدين هؤلاء، بل سنناقشهم في تصريحاتهم المخزية التي لا تُعبّر عن الواقع السوري الذي يتحكم فيه الاستبداد، منذ أكثر من نصف قرن.

يقول رئيس أساقفة حلب للروم الكاثوليك جان كليمان جنبرت: إن “النظام شيء، والأرض شيء آخر”، وإن الحكومة السورية، “رغم الانتقادات الموجهة إليها، تتميز بتفضيل العلمانية والتعددية والمساواة بين كل المواطنين”، مُحذّرًا من أن البديل الوحيد هو “نظام إسلامي متطرف”، معتبرًا أن البلاد غير جاهزة بعد لتطبيق الديمقراطية على الطريقة الغربية.

أما بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس مار أغناطيوس أفرام الثاني، فصرح بأن الغرب “ركّز كثيرًا على تغيير النظام، بينما خوفنا الأكبر هو من استبدال نظام علماني، بحكومة إسلامية على الأرجح”.

أولًا، لا بد من أن نطرح سؤالًا عليهم: متى كانوا علمانيين؟ فالعلمانية هي العدو اللدود لرجال الدين الذين تحول معظمهم إلى سلطة استبدادية مثلها مثل السلطة السياسية المستبدة، وقد تحالفت معها ضد مصالح المسيحيين. وعندما يتواجد رجل دين متنور، ومتقبل للعلمانية، تنهال عليه سكاكين هذه السلطة لإخراس صوته. ومثال على ذلك يعرفه جيدًا المطران جنبرت، وكذلك البطريرك الراعي، ألا وهو المطران الراحل غريغوار حداد، الذي رفض استبداد السلطة الدينية، ودعا إلى تطبيق مقررات المجمع المسكوني الثاني التي تُعطي دورًا كبيرًا للعلمانيين في إدارة شؤون الكنيسة، فاتهمه المطارنة المتضررين بالهرطقة بداية، وبعزله عن مطرانية بيروت لاحقًا. كما قام المطران الراعي، وكان آنذاك مطرانًا لمنطقة جبيل، بإرسال بعض “الزعران” لضرب المطران المفكر، على باب إذاعة (تيلي لوميير)، لأنه عجز عن إسكات الصوت العلماني للمطران غريغوار حداد.

كذلك أيضًا، عندما طرح المطران المغيّب مار غريغوريوس يوحنا إبراهيم، مطران حلب للسريان الأرثوذكس، في مؤتمر طهران لما سمي بـ “مؤتمر المعارضة”، حلًا لسورية يستند إلى دولة المواطنة، وثقافة المواطنة؛ غُيِّب، وليس من المستغرب أن يكون الكثير من المطارنة قد ساهم في هذا التغييب، الذي هو لمصلحة النظام الاستبدادي في الأول والآخر، وخاصة كونه دان عدم حكمة النظام في منع شلال الدم في سورية.

ثانيًا، لا بد من أن نشير أيضًا هنا إلى أن الاستبداد، والعلمانية، ورديفتها الديمقراطية، لا يمكن أن يلتقيا؛ لأن العلمانية جاءت بالدرجة الأولى لفصل الدين عن الدولة، الذي كانت كلا السلطتين السياسية والدينية تستغله لدعم الاستبداد في المرحلة ما قبل الديمقراطية في أوروبا. ومن هنا، فإن الدول المستبدة في المنطقة لا يمكن أن تكون علمانية.

ثالثًا، يتحدث رجال الدين هؤلاء عن أن النظام الاستبدادي في دمشق “نظام علماني”. وهذا الحديث مثير للسخرية، لا بل نستطيع أن نقول إنه المضحك المبكي، وقد وصلت الحال برجال الدين هؤلاء إلى أن يحاولوا أن يلمعوا نظامًا، أقلّ ما يقال عنه أنه نظامٌ قاتل يسبح في شلال دم الشعب السوري.

عن أي علمانية يتحدثون؟ يا من لم يطّلعوا حتى على الدستور الذي من المفروض، حسب قولهم، أنه علماني، وهو في الحقيقة دستور يؤسلم الدولة السورية، ويحولها إلى دولة إسلامية عنصرية.

تنطلق عنصرية هذا الدستور، والدولة الناتجة عنها، من التسمية، حيث يُعرّفها الدستور بأنها الجمهورية العربية السورية، وبإعطائها صفة العربية يحول كلًا من الأكراد والسريان والآشوريين والأرمن إلى أتباع العروبة، وليس إلى مواطنين في هذه الدولة التي يسمونها بـ “العلمانية”، وهي في الحقيقة دولة عنصرية.

تتحدث المادة الثالثة من الدستور عن أن رئيس الجمهورية يجب أن يكون سوريًا عربيًا مسلمًا. هنا تحصر هذه المادة الرئاسة بالعرب المسلمين، وبالطبع يتحول بذلك المواطن المسيحي، إلى مواطن من الدرجة الثانية والثالثة… وما يُقال عن المسيحي يُقال عن الكردي والسرياني والآشوري، فأين العلمانية في هذه المادة، وكيف يقبل هؤلاء بها وهم من المفترض أن يكونوا مؤتمنين على مصالح المسيحيين.

المادة الرابعة للدستور تعتبر (الشريعة الإسلامية) المصدرَ الرئيس للتشريع السوري، فهل هذه المادة لا تؤسلم هي الأخرى الدولة السورية؟ فأين الفرق بين الأسد وبين خليفة الدواعش والنصرة، فالكل يدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، التي لا مشكلة لنا معها، لو كانت بعض مصادر التشريع. فهنا أعلن واضعو الدستور، الذين بالمناسبة ليسوا من ذوي الاختصاص، بل عُيّنوا من قبل الأجهزة الأمنية، أسلمة الدولة، فهل هذه المادة هي مادة علمانية، أم مادة تُشرّع إسلامية هذه الدولة؟

منذ أكثر من عشر سنوات، في عهد حكومة العطري، صدر (قانون الأحوال الشخصية) الجديد لسورية، والمضحك أن هذا القانون لم يُغيّر شيئًا في قانون الأحوال الشخصية للطوائف الإسلامية، بل تطرق فقط إلى الطوائف المسيحية، ليُصدر تشاريع لهذه الطوائف تتعارض مع تشاريعها. ومن المبكي أن هذا القانون عاد وأطلق على المسيحيين الصفة الممقوتة “الذميين”، وكان هذا القانون سيمر، ولولا انتباه المحامي ميشيل شماس إلى ذلك، وتنبيهه إلى سقطات هذا القانون؛ لكان النظام المستبد قد مرر هذا القانون، الذي أزكم أنوف المسيحيين، وأثار سخط من اطلع عليه منهم، فهل دولة تصدر قانون أحوال شخصي طائفي هي دولة علمانية؟

هل النظام الذي يسمح بـ (القبيسيات) ويُشرّعها، ويُكثر من المدارس والمعاهد والكليات الشرعية، ويُكثر من الحسينيات، وقد ثبت عمليًا للجميع أنها كانت مرتعًا للفكر الإسلاموي المتطرف، هل هذا نظام علماني؟ وما رأي من يلمّعون صورة هذا النظام؟

لا يمكن أن يكون النظام الأسدي إلا استبداديًا، لأنه نشر الطائفية والإرهاب، ودمّر البلد من أجل أن يتحول إلى بيدق في يد سيد حميميم، وهو بالتالي نظام لا يمكن أن يكون إلا مُعاديًا للعلمانية والديمقراطية ودولة المواطنة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق