سلايدرقضايا المجتمع

الهوية المنكسرة.. والترويج لاستحالة العيش بين السوريين

يجب العودة إلى المبدأ الأول للثورة: (الشعب السوري واحد)

في ليلة ظلماء من ليالي عام 2012، شهد أحد أقبية التعذيب الأسدية حفلةَ تعذيبٍ لمعتقل سوري، كانت صرخات ألمه تكوي كل من سمع استغاثاته. وما لفت الانتباه هو صراخ المساعد، وهو يهوي بكرباجه على السجين المعذّب، مع كل كلمة (دولة): “بدكن حرية، معناها بدكن دولة سنية (كرباج).. دولة علوية (كرباج).. دولة مرشدية (كرباج).. دولة درزية (كرباج)..”، وصار يعدد ملل سورية ونحلها.

استطاع حكم الأسد الأب مسك سورية بقوة من البحر إلى النهر، ونجح في تقديم نفسه للعالم على أنّه نظام يمكن الاعتماد عليه، يوم تبنّى خيار “المقاومة”، وجعَل المقاومتين: الشيعية (حزب الله) والسنية (حماس)، تحت ظله. ولم يكن هذا التبني من لدنه، بل من عند أسياده الذين أوكلوا إليه هذا الدور المُراقب والموجّه والضاغط، وجعل العلاقات السورية بين حواضر العالم العربي علاقات قائمة على الشروخ لا على الترميم؛ حيث جعل الأسد من سورية جدارًا عازلًا بين الإقليمين المصري والعراقي، ولا ننسى أن لبنان حاضرة العرب الثقافية والتحررية، ما كان لها أن تخرب وهي في أوج أزماتها؛ لولا الاحتلال السوري العسكري والسياسي، هذا الاحتلال الذي كان أوجه قتل الحريري، الذي كان دمه قربانًا لحرية لبنان من هذا النظام، كما سيكون دمُنا ثمنًا لتحرر السوريين منه كذلك، وما تزال آثاره السلبية حتى اليوم. وعنصرية اللبنانيين تجاه السوريين هي في أعماقها من آثار الحقبة السورية في لبنان، وفجور الوحدات الخاصة وضباطها وجنودها في لبنان. وهذه العنصريات -وإن ظهرت من مناصري النظام السوري- هي تعبير عن قوة هذا النظام التخريبية التدميرية المازوخية للنفسية اللبنانية والسورية الموالية للأسدية.

بهذا المعنى، يمكن القول: إنّ الدور الذي لعبه النظام السوري في المنطقة لم تستطع دولة أن تلعبه، حتى “إسرائيل”. وقد فهِم لافروف وظيفية هذا النظام، وكان جريئًا ووقحًا، عندما وصّف الثورة السورية بأن السنّة يرغبون في حكم سورية!

بين كلمة الجلاد في قبو الفرع الأمني، وكلمة لافروف على الملأ السياسي، تشابهات كبيرة، فالكل يعرف أنّ انتصار الثورة في سورية لا يعني بالضرورة حكم السنّة بالمعنى الديني، ولكنه، حكمًا، يعني التحرر من حكم الأقلية الأسدية؛ وهذا يعني التحرر من الدور الوظيفي الذي اكتسب به الأسد شرعيته أساسًا، شرعية التفتيت والتقسيم.

تسليم الرقة وخروج النظام منها، وحكم الدواعش فيها، يأتي في هذا السياق الأداتي الذرائعي لتفتيت سورية. وتقديم صور متوحشة عن قطع الرؤوس والأيدي، والحرق في مملكة الذئاب الداعشية، لا يختلف مطلقًا عن تقديم الصور البربرية لآلاف السجناء والموتى تحت التعذيب، في سجون مملكة الضباع الأسدية. هؤلاء يغتصبون النسوة في السجون، وأولئك يخطفون النساء في جبال العلوييين وجبل العرب، لنخرج نحن -السوريين- بين فريقين، بل بين فرقاء يقولون: لا يمكن العيش مع هؤلاء.

يقول السنّة هذا، عند مشاهدات التعذيب والقتل، ومقاطع فيديو التسريب، وصور قيصر، ويقول العلويون هذا، عند رؤيتهم أقفاص علوش، أو أسرى (داعش)، أو مناهج (النصرة)، أو فشل أنصار الثورة في إدارة قرية محررة بطريقة مدنية، بل إن من العلويين من يرى، في الصور المسرّبة عن فظائع النظام، توريطًا لهم أكثر، وتتكرر المواقف بين السنة والعلويين، وبين كل مكونات الشعب السوري: مسيحيين ودروز وإسماعيليين وأكراد.

كلمة (ما ينعاش معون)، في حديث العيش مع الآخر، لا يرددها السوريون فحسب، بل يبدو أنّ المجتمع الدولي وصل إلى هذه القناعة الموجودة بالقوة أساسًا في رؤيته للشرق عمومًا، ولسورية خصوصًا (لا يستطيعون العيش مع بعضهم)، فلقد فعلت صور التسريب فعلها في السياسة الغربية. وبدلًا من أن يقوم الغرب بتجريم الفاعلين وتقديمهم إلى محاكم الحرب أو الجنايات الدولية، يكتفي بأنّ الخلاص هو أن نفصل السوريين عن بعضهم، حسب هوياتهم وأديانهم وأعراقهم. وليست قصص صربيا والبوسنة ببعيدة عنا؛ وهذا ما يجعلنا نجزم بأن جرأة النظام على أفعاله البربرية ووقاحته الإجرامية، في تقديم أسماء المقتولين تحت التعذيب لأهاليهم، ما كانت لتحدث لولا شعوره بأنّه سـ (ينفذ بجلده)، كما (نفذ) في الثمانينيات من مجزرة حماة، ومجزرة تدمر. وقنوات الطمأنة تلك هي التي جعلت هذا النظام يتمادى ويوغل في الإجرام، تلك القنوات التي يجب أن تحاكم، كونها شريكة في المحرقة السورية وحرب الإبادة على السوريين.

لافروف نفسه صرح بأنّ هناك شعوبًا سورية، وهو المنطق نفسه الذي يؤمن به كثير من موالي النظام سواء من القوميين السوريين، أو بعض الفصائل الكردية، أو بعض الفاشيين من العلويين، وقد صرّح أحد مثقفي هذه الفاشية، عندما نزح كثير من أبناء حلب إلى اللاذقية، قائلًا: إنّ ثقافة الساحل السوري مُهددة بعد الغزو الحلبي، فلقد كثرت مظاهر المتحجبات والمنقبات في شوارع اللاذقية. (لا عتب إذن على اليمين الغربي بضجره من المتحجبات والمنقبات!).

جاء في إحدى مواد حزبٍ سوري قيد التأسيس، “التأكيدُ على أنّ سورية دولة متعددة الشعوب”، وعلى الرغم من وجود نضج في أطروحات الحزب الجديد، فإنّ الاعتراف بأن سورية بلد متعدد الشعوب هو من آثار انتصار النظام على الشعب السوري، ونجاحه في أن يبدو الشعب السوري ليس واحدًا. الآثار السيئة والإيغال في الإجرام لا يجب أن تجعل الواقع السيء الذي أوصلنا إليه النظام واقعًا يؤسس لمعرفة سياسية، ونحن نرى روسيا وإيران وهي تحاول تأسيس هذا الواقع السيء دستوريًا، استطاعت ثلة من العلويين يومًا أن تطالب فرنسا بدويلة خاصة لها، فهل استطاعت هذه الثلة تقرير مصير العلويين وسورية؟

حجم الانقسامات بين السوريين كبير، بين السنّة السوريين هناك انقسامات فكرية ومرجعية، وبين الأكراد، وبين الموحدين الدروز، والإسماعيليين، وبين المسيحيين، وبين العلويين الأسديين والعلويين الصامتين والعلويين المتشيعين والعلويين المعارضين، كل هذه الانقسامات مرهون فعلها التخريبي التدميري لحاضر سورية ومستقبلها، ببقاء عائلة الأسد أو رحيلها وتقديمها للجنائية الدولية، فحذار أن يدفعنا هذا الواقع الأليم الذي وصلنا إليه إلى أن نسمح لأنفسنا بأن نضع اللمسات الأخيرة في مشروع دمار سورية والسوريين، فمهما خطط الغير، سواء أكان خارجيًا غادرًا أم داخليًا خائنًا، فلا يمكن أن تنجح خطة ما لم نكن جزءًا منها، وبدلًا من الحديث عن شعوب سورية وهويات سورية وأعراق سورية، يجب أن يكون هاجسنا وهاجس كل مثقف سوري أو ثوري ترميم هذه الهوية المنكسرة، أو صناعتها وصياغتها من جديد، يجب الشغل على المبدأ الأول الذي هتف به ضحايا الثورة الأوائل، وضحايا الموت تحت التعذيب: (واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد). وإن لم يكن واحدًا، فيجب خلق هذا الشعب الواحد. هكذا يكون الانتقام ممن عمل على مغامرة تقسيم سورية، واستحالة العيش بين السوريين، من اليوم الأول للثورة السورية. يجب أن نقاتل لأجل وحدة سورية التي مزقتها الضباع الأسدية ومن يقف خلفها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق