أدب وفنون

آخر يوم في إحدى ساحات التحرير

ثمّة فوّهة بندقية تخزه، لا تبعد عن جبهته أكثر من بضعة سنتمترات، وصوت جهوري آمر:

– انهضْ… هيا انهضْ!

قفز هلِعًا من مرقده، فوجد نفسه جالسًا منتصف السرير، دون أن يستطيع إكمال هلعه إلى آخر مدى، لأنّ فوهّة البندقية التصقت تمامًا بأحد صدغيه.

– بلا “فزلكة” ولا تمثيل! هيا بسرعة!

ابتعد الملثّم إلى خلف خطوتين، أو ثلاثًا، ليبقي عبد الله ضمن المدى المحقق للإطلاق، ثم تابع، وأصبعه على الزناد مباشرة:

– حركة واحدة، وتكون كما لو أن الذي خلقك ما خلقك!! هيا انهض وامشِ أمامي.

– حاول أن يستوعب ما هو فيه بسرعة، فلم ينتبه كيف أشار إلى “بجامته”

–  مثلما أنت، هيا أمامي!

واهتزّت الفوّهة الفولاذية أمام عينيه اهتزاز المتمكن، وهي تمدّ رقبتها وتشير إلى الباب.

أخرج ساقيه من تحت اللحاف، ثمّ مدّهما باتجاه الأرض مترددًا حائرًا، وحين جاءه الصوت للمرة الخامسة آمراً زاجرًا، وقف رافعًا يديه الاثنتين نصفًا على نصف، في حين كانت الفوهة الفولاذية قد لاصقت منتصف ظهره تمامًا، وسمعت أذناه المنتصبتان صوت تلقيم البندقية الآلية، وهو يتقدّم باتجاه الباب الخارجي.

(يبدو أنّ المسألة لا تحتمل خيارًا آخر!!)

فكّر وهو ينصاع للأمر ويتابع تقدمه، لكنه تساءل بصوت مخنوق:

– إلى أين؟

– لا تسأل! فقط امشِ أمامي لا وقت للثرثرة! إلى القبو أولاً!

فكّر: (ويعرف قبو المنزل أيضًا!!)

بعد دقائق، كان يحمل فأسًا على كتفه، ويمسك رفشًا في يده، ويمشي تحت أمرة تلك الفوّهة اللعينة!

ليل وعتم وهبات ريح باردة، ولا يبدو ثمة أيّ أحد يمكن أن يحميه من فوهة هذا الكابوس الحقيقي.

لا يعرف كم مضى من وقت وهو يخبط على غير هدى في البريّة، اللهم إلا هدى ذلك الصوت الذي يسوقه من خلف، حينًا إلى يمين، حينًا إلى يسار، وكل حين في الظلام الدامس.

نصف ساعة أو أكثر أو أقلّ، ودخل في مكان له رائحة قبطة، فجاءه الصوت من خلف:

– توقف ها هنا!

فتوقف..

– هيا ابدأ!!

– ماذا أبدأ؟

– بالحفر!!

–  حفر؟! وماذا سأحفر؟

– ألم أقل لا تسأل؟ احفر فقط

وهكذا بدأ عبد الله، يحفر حينًا، وحينًا يرفش، وحينًا يحاول أن يتلهّى بإزالة بعض الحجارة العالقة، كي يتيح لرأسه أن يفكر في مخرج ما:

– تستطيع أن تأخذ خمس دقائق راحة بعد كل ربع ساعة حفر… هيا!

يعني أحفر ربعًا، وأرتاح خَمْسًا؟

– اخرس!

غيظ في داخل عبد الله يتراكم، وغضب يتصاعد، لكن دون منفذ مناسب، ماذا يريد أن يفعل هذا الشبح؟؟ ولماذا انتقاني لهذه المهمة المجهولة؟! كان بإمكانه أن يأتي بمن هو أقوى منى وأكثر خبرة، لكن عبد الله لم يصل إلى نتيجة ولا إلى جواب، وبقي يحفر ويفكر، أو يفكّر وهو يحفر.

حين صارت الحفرة بعمق أكثر من متر وبطول أكثر من مترين، جاءه الأمر

– يكفي، توقّف… أنتم المثقفون الموتورون دائمًا واهمون، رغم أنكم في الحقيقة لستم أكثر من حيوانات ضالّة، وكان من الأجدى لو أن الله لم يخلقكم في الأساس! أو أن نوحًا لم يأخذ جدّ جدكم في السفينة! هذا العالم شرير أليس كذلك؟ لكن -والحق يقال- أنتم أولاد ملائكة، وكثيرون منكم أحفاد قديسين، فمكانكم الذي تستحقونه هو الجنة، لكن دائمًا نصيبكم جهنم وبئس المصير!!

قلت لي تريدون حريّة أليس كذلك؟ لاااااا!!  وأيضًا ديمقراطية؟

الله أعلم ماذا ستريدون بعد ذلك؟

سخريةٌ فيها تشفّ واضح، وفيها كراهية لا تخفى! وكلمات لاذعة تخرج من تحت اللثام بنكهة لها طعم الحقد.

ما يزال يجهل من يكون هذا الملثّم، ولا يعرف لماذا هذا الحفر، ولا إن كان قبرًا أم نفقًا إلى الجحيم؟ فقط بعد أن سمعه يتكلّم بتلك الطريقة الحاقدة أحس بالخوف، حدْسه نبّهه إلى السبب الذي أتى به، يبدو ثمة مكروه لا يبعد أكثر من دقائق لا غير! بات شبه متأكد الآن أن ثمة أمرًا خطيرًا ينوي أن يقوم به هذا الشبح الغامض. وهكذا لم يتبقّ أمام عبد الله إلاّ أن يصدّق أن في الحياة ميتة واحدة على كل حال، ولن يكون هناك ميتتان في حياة واحدة!

ومن قلب الهدوء والتأمّل، لم يجد عبد الله نفسَه إلاّ وهو يقفز قفزة مجنونة، تشبه أختها التي حدثت له في الفراش منذ حين، لكنها هذه المرة بتمام إرادته وتصميمه، قفزة مجنونة أمره بها عقله بسرعة البرق، بينما الملثّم منسجم بتفريغ ما في جوفه من كلام! بعدها لم يعد يعرف أكثر من أن وجوده يتعارك مع عدم وجوده. باتا يتصارعان، يتعاركان، يتغالبان، في معركة لا تحتمل أكثر من منتصر واحد، ولا أكثر من نتيجة واحدة. مرة هذا فوق ذاك، ومرة ذاك فوق هذا، ومرة يتعادلان في المرمغة والدحرجة، وكلاهما يستميتان للوصول إلى البندقية التي قذفتها يد القدر عدّة خطوات!

صباح اليوم التالي، أفاقت البلدة على قبر مجهول جديد، لا أحد يعرف من حفره، ولا متى، ولا من ينام فيه، ولا لماذا هناك بالتحديد.. فقط كثيرون شاهدوا قبرًا جديدًا غريبًا في مكان ما من الجهة الجنوبية للبلدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق