أبحاث ودراساتسلايدر

النازيون الأميركيون يطلّون برأسهم من جديد

مرّت يوم الأحد الماضي الذكرى السنوية الأولى لحادثة (شارلوتسفيل) الدموية التي أشعل فيها العنصريون المتطرفون الأميركيون والنازيون الجدد فتيلَ فتنة أميركية، بدأت ترخي بظلالها على جيل كامل من الأميركيين.

بدأت الفتنة في 11 آب/ أغسطس 2017، مع مسيرة مشاعل عبر المرج الشهير في جامعة فيرجينيا، وتوّجت في اليوم التالي بمواجهة عنيفة، في وسط المدينة عند تمثال القائد الانفصالي روبرت لي. أدت الفتنة في ما أدّت إليه إلى مقتل ناشطة مناهضة للعنصرية والفاشية اسمها هيذر هاير، وهي امرأة في الثانية والثلاثين من العمر، قوية في مواقفها، محبّة ولطيفة، كما وصفها أصدقاؤها. وقُتلت هيذر عندما قاد جيمس فيلد، أحد النازيين الأميركيين الجدد، وأحد أكبر المعجبين بأدولف هتلر، الذين تعلّموا من تكتيكات (داعش)، سيارة شاحنة، ودهس بها مجموعة من المناهضين للعنصرية، مخلفًا وراءه القتيلة هيذر، وعشرات الجرحى.

لم ينكفئ العنصريون الأميركيون، بعد مأساة شارلوتسفيل، وراحوا يهددون بتظاهرات في مدن أميركية أخرى. وفي الذكرى الأولى قبل أيام، أرادوا ترتيب تظاهرة في المدينة نفسها، ولكن عمدة المدينة رفض منحهم الترخيص، فنقلوا النشاط إلى واشنطن العاصمة. على أن الحضور كان باهتًا: بضع عشرات من الرجال البيض حضروا إلى مكان الحدث، ولكن مئات من الأميركيين من البيض والسود واللاتينيين، ومن كل الأعراق الأخرى، اجتمعوا في ساحة قريبة، ليعلنوا رفضهم للتطرف والعنصرية الأميركيين.

منذ حادث شارلوتسفيل، حدث شرخ في المجتمع الأميركي، ما بين مؤيد للعنصريين النازيين الجدد، وهم في معظمهم من مؤيدي الرئيس ترامب، وباقي الأميركيين الذين يعتبرون أن التنوّع والتعددية الأميركية هي ميزة أميركا وسبب نهوضها.

الجماعة التي قادت حدث شارلوتسفيل تطلق على نفسها اسم اليمين البديل (Alt-Right)، وهم عبارة عن مجموعة من الجماعات اليمينية المتطرفة وأشخاص ينادون بـ “الإثنية القومية البيضاء” في الحضارة الغربية، وينظرون إلى وجود أشخاص ملونين ومهاجرين وأقليات دينية، كتهديد لهويتهم البيضاء.

لعب الرئيس ترامب، شخصيًا، دورًا مؤجّجًا، حين امتنع عن إدانة اليمين المتطرّف، وقال إن الطرفين ملومان في الحادثة. ترامب قال إن بين النازيين أشخاصًا جيدين، واستغل الحادثة لمهاجمة اليسار الأميركي، بدلًا من وضع النقاط في الحروف بوضوح.

في هذه السنة، كان لدى الرئيس ترامب الفرصة لكي يصحح خطأ العام الماضي، فيدين النازيين الجدد ودعاة التفوق الأبيض. ولكن ترامب اختار بدلًا من ذلك أن يغرّد تغريدة بائسة، قال فيها إنه يدين “كلّ اشكال العنفية وأحداث العنف”، من دون أن يسمّي الأمور بأسمائها.

كان ذلك الموقف مقصودًا من الرئيس. فبينما تقترب الانتخابات النصفية الأميركية التي ستجري في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر، يريد الرئيس ترامب أن يحشد حوله قاعدته الشعبية التي انتخبته في عام 2016. هذه القاعدة مؤلفة من مجموعات من الأميركيين البيض الذين يعيشون غالبًا في مدن وبلدات صغيرة منعزلة في الغرب الأوسط الأميركي.

هنالك صورة نمطية شائعة لناخب ترامب؛ إنه رجل أبيض من دون شهادة جامعية، وموالٍ لترامب وملتزم معه، بغض النظر عن أي شيء. ولا شكّ أن ثمّة سببًا وجيهًا لوجود هذه الصورة النمطية: قوة الرئيس ترامب بين الناخبين البيض من الطبقة العاملة والمزارعين، لا سيما الرجال، دفتعه إلى القمة في الولايات التي لعبت الدور الحاسم في انتخابه في عام 2016. صحيح، ولكن تلك ليست القصة بأكملها؛ 63 بالمئة من الرجال البيض الذين لا يحملون شهادات جامعية صوّتوا لترامب في عام 2016. 83 بالمئة من هؤلاء يقولون، وفق استطلاعات الرأي، إنهم سيعيدون انتخابه في العام 2020، ولكن هؤلاء الناخبين لم يُشكّلوا سوى نسبة أكبر قليلًا من المرشحين الجمهوريين السابقين جورج بوش الابن، وجون ماكين، وميت رومني.

الحكاية أن ترامب، في سعيه للمحافظة على بقاء أغلبية مجلسي الشيوخ والنواب بين يدي الموالين له هذه السنة، ولإعادة انتخابه بعد عامين، لا يجد بأسًا في زيادة الشرخ بين الأميركيين، وإثارة أكثر المشاعر القومية والعرقية انحطاطًا. ويدرك الرجل أن الأميركيين في المدن الكبرى والولايات غير المنعزلة كنيويورك وكاليفورنيا وواشنطن لن يصوتوا له، أو لمناصريه، فلا فائدة إذن في مخاطبتهم. ولكي يتدارك خطر تناقص نسبة مؤيديه -وهو ما تبينه استطلاعات الرأي مؤخرًا- لا بدّ له أن يحافظ على مشاعر الخوف لدى محازبيه.

هذا الأمر يجيده كل الطغاة في العالم. وقد رأيناه بوضوح عند كل من صدام حسين، ومعمر القذافي، ونراه بوضوح عند بشار الأسد، الذي يسعى دائمًا إلى عزل مؤيديه عن باقي السوريين وتخويفهم من الآخرين.

ولتحقيق ذلك، يستغل ترامب بذكاء فكرة أن المحافظين ينظرون إلى الحكومة على أساس أخلاق العائلة. ففي العائلة، ثمة نموذجان رئيسان للأب: الأب الصارم والوالد الرحيم. وبينما يعتقد المحافظون أن الأب الصارم الذي يربي أولاده على الاستقلال، وقوة الشخصية، ويعاقبهم عند الخطأ، هو المثال الفاضل للعائلة والدولة، يعتقد الليبراليون أن الوالد الرحيم الذي يهتم بعائلته ويوجهها ويستشيرها ويشعرها بالعطف والحماية هو المثال الأفضل.

من هذه الزاوية، ينظر المحافظون إلى أصحاب الثروات باعتبارهم “خيرة الناس”، لأنهم عملوا وجاهدوا ووصلوا إلى ما هم عليه. في المقابل يعتقدون أن الفقراء هم كذلك بسبب كسلهم وتقاعسهم. وينطلقون من هنا إلى أن الرعاية الاجتماعية وتقديم المساعدات لهم ستكون مكافأة للمتقاعس على تقاعسه، وسوف تزيد فقط في عجزه وكسله. ومن هنا فإنهم يرفضون فرض ضرائب عالية على الأغنياء لإنفاقها على الصحة والتعليم وخلافه.

ومن هذه الزاوية أيضًا، يعترض المحافظون على حق النساء في الإجهاض، لأن الرجال، وليس النساء، هم أصحاب القرار في حياة الأسرة. وهم ضد المثلية الجنسية، لأن أسرة من أبوين أو أمّين لا تسمح بوجود أب صارم يقود سفينة الأسرة.

ليس ترامب محافظًا ولا متدينًا، ولا أحسب أنه عنصري فعلًا، ولا أعتقد أنه يعترض على الإجهاض لدوافع دينية. إنه انتهازي يستغل كلّ تلك النقاط ليعيد انتخابه رئيسًا لولاية ثانية. هدفه الوحيد هو تحقيق المزيد من الثروات لنفسه وأمثاله من الحيتان الأميركية الكبرى. وقد حقّق جزءًا من ذلك من خلال تعديل نظام الضرائب الأميركية، ولكن ذلك لم يشف غليله بعد، فثمّة المزيد من الأموال يمكن جمعها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق