ترجماتسلايدر

سورية الأسد ارتكبت فظائع لا يمكن للعالم تجاهلها

صوَّر النظام جثث 11 ألفًا ممن قتلهم في المعتقلات.. يجب أن لا تمر جرائمه من دون عقاب

صُور “القيصر” لأشخاص قُتلوا في المعتقلات السورية، معروضةٌ في مقر الأمم المتحدة في نيويوك، 2015 (تصوير لوكاس جاكسون- رويترز).

تخيّل أن ابنك أو ابنتك تم إلقاء القبض عليه/ ها، ولم تسمع عنه/ ها أي خبر لسنوات، حتى جاء يومٌ نُشرت فيه آلاف من الصور لجثث أناس لقوا حتفهم في أثناء الحجز. تبدأ النظر في صورة تلو الأخرى؛ فتُصاب بالغثيان، وتتساءل: ربما تكون الصورة التالية لأحد من أحبائي. مع تصفحك صور الجثث، تدرك أن العديد منها يعاني الهزال الشديد، مشوهة، بعضها مبتورة الأعضاء، أو مفقوءة العينين، وسيبدو لك أنك ستجد صعوبة في التعرف حتى إلى نفسك في تلك الحالة.

المئات، إن لم يكن الآلاف، من العائلات السورية قد مرت بتلك التجربة، من خلال النظر في ما يسمى بصور القيصر، صور لأكثر من 11 ألف شخص قضوا في معتقلات النظام. زعم أحد المنشقين، يُعرف بالقيصر، أنه قام بتهريب هذه الصور من سورية، وما يدعو للدهشة أن النظام نفسه قد قام بتوثيقها في سجلاته. بشكل مخيف، كل جثة لها رقم، مع أرقام مراكز الاحتجاز التابعة للنظام، فقط أرقام لا أسماء لها.

في أيار/ مايو 2014، بدافع من هذه الصور، ناقش مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مشروعَ قرار لإحالة سورية إلى المحكمة الجنائية الدولية. صوّت 13 من أعضائه الخمسة عشر لصالح القرار، باستثناء روسيا والصين اللتين عارضتاه. لطالما شكك الرئيس السوري، بشار الأسد، في صحة هذه الصور، وعندما واجهه مراسل (ياهو نيوز) مايكل إيسكوف، بإحدى تلك الصور المروعة، في العام الماضي، أشار الرئيس إليها بأنها “أخبار مزيفة”، وتساءل: “من الذي تحقق من الصور؟”.

تشير الأدلة الجديدة إلى أن نظامًا خاصًا قد تحقق من صحة الصورة. كشف محققون لجرائم الحرب مؤخرًا عن وثائق يقولون إنها توفر أدلة للقيصر على أن صور القيصر موثقة من طرف النظام نفسه -كما كشفت أنا ونيكولا كاتشر على قناة (4 نيوز) في الشهر الحالي- وكشف محققون في لجنة العدالة والمساءلة الدولية (العديد منهم موظفون قدامى في المحكمة الجنائية الدولية والمحكمة الخاصة بيوغسلافيا السابقة)، عن أدلة في مئات الآلاف من السجلات التي تخلى عنها النظام السوري، عندما فقد السيطرة على مناطق لصالح قوات المعارضة.

الوثائق الرئيسية هي من رئيس فرع الاحتجاز (227)، إلى أحد كبار ضباط الاستخبارات في النظام، ورئيس الاستخبارات العسكرية، يبلغه عن اعتقال وموت المحتجزين، والأهم هو الإشارة إلى جثثهم من خلال أرقام. عندما قام المحققون بالتحقق من أرقام الجثث هذه في وثائق النظام، مع عرض أرقام الجثث وأرقام مراكز الاحتجاز على الجثث في صور القيصر، تمت مطابقتها. ليس فقط لدينا آلاف الصور من القيصر التي تحمل علامات التعذيب والتجويع، ولكن لدينا أيضًا وثائق تظهر ارتباط النظام بمن في الصورة وبوفاتهم. التقطت الصور معًا في وقت واحد، تصور حالة جثث المعتقلين. لكن الوثائق تشير إلى المعتقلين، وتتحدث عنهم من وقت اعتقالهم، إلى تفاصيل تم جمعها أثناء الاستجواب، إلى اليوم الذي ماتوا فيه، وأخيرًا، إلى ما يجب فعله بجثثهم؛ ما يؤكد أن العملية حدثت في معتقلات النظام فعلًا.

على سبيل المثال، من بين صور القيصر، الجثة رقم 2668، مكان الاحتجاز 227، رجل هزيل يبدو وكأنه بعين واحدة. في الوثائق، لديه اسم، القرية التي جاء منها، تاريخ اعتقاله، ما اعترف به خلال الاستجواب، تاريخ وفاته، وسبب الوفاة: “توقف القلب والتنفس”. في مكان من الوثيقة يشار إلى أن لديه عائلة، ولكن رئيس مركز الاعتقال 227، لم يوص بإعادة الجثة إلى أهله.

من المحتمل أن يكون هناك المزيد من هذه الوثائق؛ لأن السجلات تظهر أن رئيس المخابرات العسكرية يطلب منه إبلاغه عن كل حالة وفاة لمعتقل عنده، وأن تتم استشارته بشأن ما يجب فعله بالجثث. هذا الرجل، في الوقت الذي التقطت فيه صور القيصر، شغَل أحدَ أهم مناصب المخابرات في الهياكل الأمنية السورية، التي ترفع تقاريرها إلى الرئيس الأسد.

كما كشف المحققون أن النظام كان على علم أن المعتقلين كانوا يتعرضون للتعذيب، وأن نسبة الوفيات ارتفعت بشكل كبير. والتفصيل الجديد المفزع في الوثائق هو الإشارة إلى دفن جثث المعتقلين في (مكان معروف). هو معروف لدى النظام، لكنه غير معروف حتى الآن عند عائلات الضحايا الذين حُرموا من تلك المعلومات، مسببًا الألم والكرب لهم بشكل مستمر.

ما حدث جعل كل هذه الأدلة مهمة الآن؟ لأنها فقط تحتاج إلى النظر في تلك الدعاوى، من بعض الجهات التي تدعو إلى رفع العقوبات عن نظام الأسد السوري، حيث توجد تقارير تفيد أن الحكومة اليونانية، على سبيل المثال، بدأت بالفعل استيراد الفوسفات من سورية، لتعلم أن العمل قائم على قدم وساق، في محاولة التطبيع مع هذا النظام.

ربما كسب الأسد الحرب، لكنّ هذا لا يعني أننا سنتجاهل أدلة قوية كهذي على ارتكابه جرائم ضد الإنسانية. هذه الأفعال تهددنا جميعًا، وتجعل من كلمة “ليس ثانيةً” شعارًا أجوف بلا معنى، يدعو إلى الإفلات من العقاب في جميع أنحاء العالم.

إذا كان هذا ما يريده الناس، فعليهم أن يمروا بالتجربة نفسها. ويجب أن يفهموا بالضبط ما ينتابهم أثناء النظر إلى صور القيصر -تمامًا كما تفعل العائلات التي تحاول التعرف إلى أحبائهم- ثم تسأل: أمن المقبول التطبيع مع نظام الأسد بعد كل ما فعل؟!

عنوان المادة الأصليAssad’s Syria recorded its own atrocities. The world can’t ignore them
الكاتبسارا أفشار*
المصدرالغارديان
الرابطhttps://www.theguardian.com/commentisfree/2018/aug/27/assad-syria-atrocities-regime-photographed-murdered
المترجموحدة الترجمة والتعريب في مركز حرمون

* سارا أفشار، مخرجة الفلم الوثائقي في ” القناة الرابعة” المختفون في سورية: قضية ضد الأسد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق