اقتصادسلايدر

سورية.. من استقرار فرضته الدكتاتورية إلى بلد منقسم

استعان النظام بأدوات الحرب للقضاء على أماني الشعب فدمَّر كيان الدولة والمجتمع

في مفاضلة غير لائقة أخلاقيًا، ولا إنسانيًا، ولا سياسيًا، يرجّح التنافس الدولي على المصالح كفةَ نظام عائلي مستبد، يستثمر الدولة في تبادلات زبائنية متعددة الأطراف، على انتقال سياسي، و”سياسة ذات مشروعية” تشجع التسوية، وتحلّ الصراع وفق أولويات تم اعتمادها أمميًا.

لنفترض أن الحسم العسكري الذي أنجزه الأسد، بدعم كبير من القوى المستفيدة، قد أسهم -كما يروّج الإعلام الرسمي- لعودة الاستقرار، وانتشار السلام، ورجوع الحياة إلى طبيعتها؛ فهل لدى النظام، الذي دمّر الحواضر السورية باستثناء المعروفة بتركيبتها الطائفية، من المقومات ما يكفي فعلًا لتجاوز هشاشة دولةٍ، لم تفقد سيادتها بسبب الوجود الأجنبي على أراضيها فحسب، بل فقدت كل ما يتعلق بأصول التنمية، ورأسمالها البشري والاجتماعي والإنساني؟!

بالنسبة إلى إرث الأسد 2000 – 2018، تفضي المؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى أن الاستحواذ على السياسات العامة وتوظيفها لخدمة مصالح ضيقة وجماعات نفوذ، سواء أكان ذلك في مرحلة ما قبل الحرب أم خلالها، قد أدى إلى إخفاقات متتالية، على صعيد التنمية المتعددة الأبعاد، والنمو الاقتصادي، والمستوى العام لمعيشة السكان. كما فشلت السياسات غير المتسقة -التي غالبًا ما قوضت طموح الفئات الضعيفة- في إيصال السوريين إلى العدالة، وتقليص حجم التفاوت الكبير في مستويات دخل الأفراد. وبالتالي، الحد من مستويات الفقر الذي ارتفعت معدلاته على نحو مؤثر.

في السنة الرابعة من حكم الأسد، كشف تحليل أجراه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عدمَ تمكن 2 مليون سوري (11.4 في المئة من السكان) من تلبية حاجاتهم الأساسية -مواد غذائية وغير غذائية- وارتفاع نسبة الفقر إلى 30 في المئة، شملت نحو 5.3 ملايين فرد، أي نحو ربع سكان البلاد. فضلًا عن تصاعد مؤشر اللا مساواة، وشيوع نهج نفعي، كان ينحاز على الدوام إلى جانب مصالح فئات ذات نفوذ استحوذت على القسم الأكبر من الثروات. واستهلكت نسبة الـ 20 في المئة الأكثر ثراء 45 في المئة من الإنفاق في سورية، فيما استهلكت نسبة الـ 20 في المئة الأدنى من السكان 7 في المئة من حجمه.

إن التفاوتات السائدة، مع غياب بيئة سياسية واجتماعية تتفاعل في داخلها الفئات والتيارات المتعارضة، عكست في الحقيقة فشل نظام الأسد في اعتماد خطط مشجعة للنمو تناصر الفقراء، وتعمل على النهوض بواقعهم. كما عكست أيضًا نجاحه في إقصاء الأفراد والجماعات عن المشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بهم، أو التي تؤثر في مصالحهم واحتياجاتهم.

فحينما تغيب الديمقراطية، ولا تُحترم الحقوق الأساسية، ولا تعمل مؤسسات الدولة على توفير أسباب الرفاه، وتحقيق العدالة بين جميع الأفراد، وحمايتهم من تغول السلطات الأمنية، وعندما لا توفر الأسواق فرص عمل، وتفقد المجتمعات المحلية تماسكها؛ يميل الحديث إلى وجود فجوات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، أكثر من ميله إلى استعراض إنجازاتٍ لا رصيد لها في الواقع. وعندما تُستبعد معظم الأطراف من الاستفادة من منافع الاقتصاد، أو يتصور أنه يتم خداعها على شكل تقديم خدمات عامة منخفضة الجودة؛ فمن الطبيعي أن تضعف الدولة، وأن يتمزق نسيجها المجتمعي، وينهار عقدها الاجتماعي.

تُقر ثلاث مؤسسات دولية في هذا السياق: (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي)، بأن الصلة الصحيحة بين الحاكم والمحكوم ترتبط عمومًا بطبيعة السلطة السياسية، وشرعية تمثيلها. وأن أي تفاعل إيجابي بينهما لا يكون إلا إذا عملت الدولة بشكل أساسي على تحقيق ديمقراطية فعالة، واتبعت الحوكمة والشفافية في تسيير أمورها. ويقود ضعف الحوكمة بحسب البنك الدولي إلى الفساد؛ ما يعني إساءة استغلال ثقة الشعب، وإساءة استغلال السلطة لتحقيق نفع خاص.

من الصعب اليوم إيجاد مؤشر قياسي -بغياب الحوكمة- لتحديد حجم الإخفاقات التي منيت سورية بها تحت حكم الأسد؛ فعلاوة على النمط الشمولي الذي أطاح الديمقراطية، كأداة لمتابعة قدرة المؤسسة الرسمية على أداء وظائفها المرجوة. وأطاح حكمَ القانون والمعاملة المتساوية والمشاركة بالمساواة، والشفافية، والمساءلة، والفرص المتساوية للاستفادة من الخدمات، استعان بأدوات الحرب العسكرية القاتلة والمدمرة، للقضاء على أماني وتطلعات شعبه 2011 – 2018، وتدمير ما تبقى من كيان الدولة وسيادتها، وسلامة المجتمع كحالة توافقية.

إن رداءة الحياة، والتفاوت الاقتصادي والتنموي، وتدهور الخدمات العامة، والتصدعات الخطيرة للغاية، مثل الاستقطاب الداخلي الحاد بين المكون المجتمعي، وتفكك مؤسسات الدولة التي لم تعد تؤدي أيًا من وظائفها الأساسية في الحد الأدنى من الكفاءة، ستقلل إلى حد كبير من جدوى الحديث عن التعافي، أو شيوع السلم الأهلي، أو إمكانية تجاوز التشظي والإقصاء والتحيز. فقد استبدلت الحرب المشهد النمطي لبلدٍ كان يتمتع باستقرار نسبي فرضته طبيعة نظام دكتاتوري مستبد، وشبكته العنكبوتية المتماسكة “أجهزة أمنية ومنظمات شعبية”، بمشهد آخر يماثله من حيث النتيجة، لكنه أشد مأسوية لبلدٍ منقسم على نفسه، ونظام متآكل، وجماعات مصالح وعصابات تبحث عما يعزز نفوذها ويساعدها في السيطرة أكثر.

فهل تصلح الأدوات العفنة هذه لصنع مستقبل ناهض يتطلع إليه الجميع؟!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق