أدب وفنون

دخول الحياة دخول الموت في “الأبواب كلها” لـ سليم بركات

الحياة معلقة على سقالة المعمر أمام جدران الموت، حواملها حبلا أرجوحة للزمن، لا دخول إلى الحياة، لا دخول إلى الموت، إلا باجتياز عتبة الباب المخلوق بهذيان الغيب الكبير.

الباب وحيد في دخول الحياة، وحيد في دخول الموت، يتعدد فيما بينهما دخولًا وخروجًا، صدًى وتسكيرًا وصفقًا وضربًا….. بكل ما يكون بعد، باب يفضي إلى ما في جوهر البعد، وبكل ما في جوهر البعد باب يؤول الأثاث إلى لغة، حياة، موت، كدخول، وكدخول لا خروج بعده إلا في الدخول.

كل الأبواب والأبواب كلها، متاهة الحياة في متاهة الموت ومتاهة الموت في متاهة الحياة، لا ساتر يفصل بين الأبواب، لا جدران، لا عتبة، لا مقابض…. هي نفسها تلكم الأبواب المنفية إلى ما لا تدرك من حيث لجوئها وملجئها من أبواب لا تدركها.

سليم بركات الداخل من باب الحياة، والداخل في باب الموت فيما بعد، في ديوانه (الأبواب كلها)، يدق مسامير الروح في جسد كل جسد، كباب، كمقابض، وأساكفها لوعة ونفس وهذيان ونفور وجذب….. هو المزروع شريانًا في دم الكلمات يقتص من الحياة، ثم من الموت، بما يفضي إليهما.. يقتص بالأبواب كتعريف وكفكرة، لا بل أعمق من ذلك كهاجس يشغل ما قبل ولوجها وما بعد ولوجها وأي عتبة اجتاز هذا الداخل.

ليس غريبًا أن يبدأ سليم ديوانه من التأويل المتأرجح بين المطلق كإيمان، وبين الوسيلة الواصلة لإثبات هذا التأويل من خلال من يجزون الرقاب ويسملون الأعين بيد واليد الأخرى على مصحف الإيمان، قبل ولوج باب ليس كأي باب، باب الجنة المغروز في جدران الغيب:

“فخورون بالأعراس يحضرها المقربون، بل رؤوسهم في سلال،

وأيديهم على صحاف،

وعيونهم المنتزعة في كؤوس..

فخورون…. باللذائذ في شحم الأب الميت،

بالثواب الذي يشق الحناجر.

بعد شق الرئات.”ص12-13

كل ما يخلفه الإنسان من أثر حياة أو ما يتركه قلبه أطلال أحاسيس، ليست إلا أبواب تصطفق حين تترك المنازل ذاتها، سواء دخولًا أو خروجًا، في رحيل أو لجوء يجمعها أحاسيس لا تحكى إلا مرتبكة كارتباك القلب في نبضه:

“إنها المنازل تبكي على أطلال قلوبكم،

ويرثيكم الأثر الغابر

أيها المصطفقون كأبواب تصفع الداخلين،

والمصطفقون كأبواب تصفع الخارجين،

بإرادة الحقائق متلعثمةً أيها الرواة اللعثمة،

المتقلدون أوسمةً حزامًا إلى جوار الأوسمة الهباء على الصدور”. ص6

الأبواب هي الزمن العابر من اليوم إلى الغد، من البارحة إلى اليوم،

هي العمر في دخوله الحياة وخروجه منها، الأبواب كلها: أبواب الحياة والأبواب في الحياة، قبل الولوج وبعده، وما ينتظر في الحالتين، وشركاء الوقوف أمامها، وما يجب تركه جانبًا دون دخوله، وما يجهز للدخول، وكل ما خلف الأبواب هذه، قابل للنقد من نفسه ومن ضده وعن نفسه، وسليم يجد هذه الأبواب في باب وحيد هو القلب:

“ضعوا

الوجود

جانبًا،

إلى الجهة اليسرى من الباب الأعظم،

بابكم

الذي

لن تفتحوه،

أو تغلقوه”. ص31

لا يخفي المرء اشمئزازه من أبواب كثيرة، بما تسببه له من انتكاسات وأوجاع واصطدام، بما يعكس ما كان يؤمل منها أو بالدخول فيها واجتياز عتباتها، هي تينك الأبواب المغدورة بها والتي تغدر في نفس الوقت بما كان ينسج من أحلام وآمال في متنها، هي أبواب الحروب فيها ومعها وما تخلفه:

“أف:

ثياب صررًا مركومةً فوق مدن مركومة

وبلدان ركام

في الصرر يحملها الهاربون من الحياة

إلى حروب قلوبهم،

أيها المركون…

.. أبوابكم- أف:

لا تتسع إلا لعبور

المرهقين

بأحمال

الحيرة”. ص41-42

تتحول الحياة بعد الدخول من بابها، بمجملها إلى عادي، سواء أكان معقولًا أو لا، شئنا أم أبينا، حيث فيها التحام كل النقائض وتنافر كل التماثلات، التحام كل شيء وحي بكل شيء وحي، أيا كان الغموض في محاكاتها:

“أف:

لا باب بلا حزن

لا باب بلا عتبة خطا الحزن فوقها أو يكاد.

أو أفيض في حزنه فأخرس. لا

ذل لباب،

بل الذل وراء الباب أو أمامه”. ص81

أيًا كان التعامل مع الأبواب جامدةً أو مجازًا، يولد سليم وجعها، مكررًا عبر ديوانه:

“أبواب موجعة إن فتحت،

موجعة إن أغلقت…”

دخولها مجزرة والخروج منها حريق، لا مجزرة تسقط ولا حريق يطفأ، في الحياة وأبوبها، لا بد من آخرين داخلين أو حتى خارجين من إبقائهما وشمين على مقابض الأبواب:

“أوقفوا المجزرة إن خارت على قدميها،

أوقفوا الحريق إن خار على قدميه..” ص88

لا يستطيع قارئ (الأبواب كلها) لسليم، وروايته (سبايا سنجار)، إلا أن يلتقط مزامنة الكتابة بينهما أو التناص في محاكاة بعضهما، حيث القتلة الأشباح في (سبايا سنجار) كانوا يتنزهون مع كلابهم في بحيرة في السويد، وفي (الأبواب كلها) يكتب سليم:

“أف:

اقتلوا ما تستطيعون.

لا يؤبه للقتلى،

بل باحتفاظ القتلى بمقاود الكلاب.

في

أيديهم

متنزهين

على

ضفاف

البحيرات”. ص135

سليم الشرقي المنبت، والهارب من شرقه، تاركًا إرثًا من الدماء تسقي ترابه، بأيدي طغاته وسالبي الحقوق والمتلحفين بإرث الديانات ذات المنبت الشرقي -أيضًا- لا يغفل أن يميز الحياة في شرقه، حين دخل بابها وصفقه خارجًا منه دون أن تتركه، ما دامت هي في الحياة وهو في الحياة نفسها:

“الشرق الإيمان الحفاوة

حيث المقاتل ناضجة أبدًا

والأعمار

ملاعق

في

الصحن

الفارغ.

الشرق القدر

منكبة بطهوها

على رماد الأرواح”. ص152

من خلال (الأبواب كلها) يلاحق سليم بكلماته مداخل الحياة من كل الأوجه، ابتداءً من الأب العماء في “المثاقيل” مرورًا بالنساء في “الغزلية الكبرى”، وصولًا إلى الأبواب في “الأبواب كلها” ليبرر ما تزرعه وتسقيه وتضمره وتخفيه وتكشفه وتفضحه وتؤوله… ذواتنا المتهادنة في البقاء اختلافًا ورؤى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق