سلايدرقضايا المجتمع

في يوم المعتقل السوري.. جدلية المصالح الدولية وجرائم الحرب

ماذا فعلت مؤسسات المعارضة السياسية من أجل قضية المعتقلين العادلة؟

في يوم المعتقل السوري، حيث سيخرج السوريون في مدن كثيرة في الوطن وفي أماكن الشتات السوري، في محاولة للتذكير بالمعتقلين والمطالبة بحريتهم، تبدو قضية المعتقلين السوريين إحدى القضايا المهمة، إن لم تكن الأهم فعلًا، تلك القضية التي لا بد أن تكون على أي طاولة مفاوضات مقبلة، بعد أن قام النظام السوري بتغييب مئات آلاف السوريين في زنازين القهر والعسف، من دون أن نقف جميعًا، كسوريين، لنقول: أطلقوا سراح كل معتقل سوري، وأنقذوا أرواح من تبقى منهم، بعد أن راح النظام وأجهزته القمعية يطلقون بين الفينة والأخرى قوائم الموت لمعتقلين سوريين آثروا الوقوف مع شعبهم من أجل الحرية والكرامة.

في هذا اليوم، الذي يصادف 8 أيلول/ سبتمبر الجاري، كان لا بد من استطلاع آراء بعض المحامين السوريين، لنقف معهم على مآلات قضية المعتقلين، ومعرفة توقعاتهم بخصوص إمكانية ممارسة الضغوط الدولية أو الإقليمية، لإطلاق سراح معتقلي سورية عبر جنيف أو سواها، وموقفهم من العالَم الذي يصمت صمت القبور عن مئات آلاف المعتقلين، أو المغيبين قسرًا، بلا أي حراك جدي.

المحامي علي محمد شريف أكد لـ (جيرون) أن “جرائم الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، وما يرافقها من ظروف وأساليب لا إنسانية وقتل بواسطة التعذيب، تشكل سياسة منهجية، وأداة عقابية للمجتمع، يمارسها على نطاق واسع نظامُ الأسد وشركاؤه الروس والإيرانيون والميليشيات التي تتبع لهم في معظمها. وهي تأتي في سياق مخطط مدروس يهدف إلى القضاء على الثورة السورية، وإبادة جميع السوريين المطالبين بالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية. أمام هذه الحقائق، وفي مواجهة آلة متوحشة لنظام (مافيوي) لا يعترف بأبسط حقوق الإنسان، ولا يتقن سوى لغة الانتهاكات، وارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية، تبدو مآلات قضية المعتقلين مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمصير هذا النظام ومآلاته. لا بدّ إذًا لطيّ ملفّ المعتقلين، ومساءلة ومحاكمة المسؤولين عن الكارثة المستمرة، من انتقال سياسي يستبدل هذا النظام، وركائزه المؤسسة على الطغيان، بنظام وطني ديمقراطي يؤسس لدولة العدل والحريات والحقوق”.

وأضاف: “قضية المعتقلين والمخفيين قسرًا من أخطر وأهمّ الملفّات الإنسانية، وهي قضيّة ما فوق تفاوضية، وينبغي كشرطٍ لأي مفاوضات أو تسوية سياسية أن يسبقها العديد من الخطوات والإجراءات الفورية، كالتوقف عن نهج الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، والإفصاح عن مصير المعتقلين والمخفيين قسرًا، وإطلاق سراح من بقي منهم، والكشف عن أماكن الاعتقال المختلفة، والسماح للمنظمات الدولية والإنسانية والمراقبين الدوليين بدخولها، وللأهالي بزيارة ذويهم، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلّا بتطبيق قواعد القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان والمعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة”.

حذَّر شريف من أن “تجاهل الأطراف الدولية والإقليمية المتورطة في المأساة السورية والمستثمرة فيها، حتى الآن، وعدم قيامها بمسؤولياتها الأخلاقية والإنسانية، يجعلها شريكًا في الجرائم، ويتيح لنظام الأسد وشركائه الإمعان في قتل وتدمير سورية وشعبها. لكن السؤال الأهم هو ما الذي فعلته مؤسسات المعارضة السياسية، والسوريون عمومًا، في المحافل الأممية، وأمام الحكومات والمنظمات في المحاكم، ومؤسسات الإعلام الدولية، وفي ساحات وشوارع العواصم والمدن الكبرى، لشرح قضيتهم العادلة، وتحريك المجتمع الدولي لممارسة الضغوط، ووقف الكارثة السورية، ومحاسبة المجرمين؟ وهل سيبقون على هامش قضاياهم، وهم الرقم الأصعب في معادلة الحلّ العادل؟ وعلى الرغم من ذلك، فإنّ العدالة لا يمكن أن تبقى غائبة عن سماء سورية، وعن السوريين، ولا بدّ من يوم قريب تتحقق فيه للسوريين مطالبهم المحقة والمشروعة في العدالة والحرية والكرامة الإنسانية. فالمصالح الدولية متحركة ومتبدّلة، أمّا الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري فهو، كجميع الجرائم ضدّ الإنسانية وجرائم الحرب، قضية ثابتة لا تسقط بالتقادم”.

أما رئيس تجمع المحامين السوريين الأحرار علي رشيد الحسن، فتحدث عن المسألة بقوله: “يبدو أن الضغط الذي قام به ناشطون سوريون، من أجل إحياء قضية المعتقلين والمغيبين قسرًا لدى النظام السوري، كان كبيرًا، لكن كمية الحملات والفعاليات التي ركزت كليًا، أو جزئيًا، على المعتقلين، لم تكن كبيرة لتصدر المشهد في (السوشيال ميديا)، على الرغم من تزامنها مع أحداث مرتبطة بالمعتقلين. ويعني ذلك أن ورقة المعتقلين السوريين ستتحول إلى مجرد أداة سياسية مستقبلية للضغط والضغط المضاد، بين النظام والمجتمع الدولي، في مواسم الانتخابات الغربية تحديدًا، ضمن أي مستقبل ينتظر البلاد، مع المَلل العام من طول أمد الحرب السورية التي باتت تشكل أخطارًا كبيرة، في قضايا الأمن واللجوء على الدول الغربية، التي لم تعد تبالي بمصير الأسد، أو التغيير الديمقراطي في البلاد، مثلما كانت عليه الحال في بدايات الثورة العام 2011، عندما كانت الحملات الافتراضية ضمن هذا السياق مجدية وذات معنى”.

وأضاف: “تبقى كل هذه الجهود للأسف قليلة الانتشار، وإن كانت شديدة الأهمية، لكونها تطالب بما يغيب عن اتفاقيات (المصالحات) التي يقوم بها النظام في الداخل السوري مع القرى والمدن المعارضة، من مطالب بإطلاق سراح المعتقلين، في كل مكان جغرافي تشمله تلك المصالحات، وإعداد قوائم بأسماء المعتقلين، وتأريخ ظروف اعتقالهم أو تغييبهم. وإبقاء القضية نفسها حية بشكل أو بآخر، في انتظار فرصة أفضل لتقديمها على نطاق أوسع. وهو أمرٌ مؤلم ومؤسف، في الوقت نفسه؛ لأن ذلك يعني انتظار أحداث مروعة، مثل ارتكاب مجزرة ما في أحد المعتقلات، أو تسريب معلومات مروعة عن المعتقلات نفسها”.

من جانب آخر، أشار المحامي السوري أحمد صوان، إلى أن “دول العالم كافة تبحث عن مصالحها في سورية، ولهذا فإن قضية المعتقلين السوريين لن تشكل أزمة ضاغطة على أي طرف منها. كما أن الدول الفاعلة في المسألة السورية تنتهج أسلوب تمييع القضايا، وهي تركز الآن على ملف (الإعادتين): إعادة اللاجئين، وإعادة الإعمار، ووضعت قضية المعتقلين في آخر قائمة اهتماماتها. لقد بدأت الدول الفاعلة خلط الأوراق منذ اختراع مسارات (أستانا)، و(سوتشي)، وتجاهلت مسار جنيف، والقرار الدولي 2254 الذي وضع النهج للحل السياسي العادل في سورية. حيث نص في البند (12) منه على (الإفراج عن كل الأشخاص المحتجزين عشوائيًا في سورية، لا سيما النساء والأطفال). وأكّد أن “قضية المعتقلين هي القضية العادلة التي تنتظر المحامي المقتدر لكي يفوز بها، ولا نعرف درجة القدرة والحماس التي تتمتع به واجهاتنا السياسية والتفاوضية، وهل تستطيع إعادة أولوية ملف المعتقلين إلى مقدمة جدول مطالبها. لقد علمتنا التجارب التفاوضية للدول أن الطرف الذي يتمتع بالإصرار والإيمان بقضيته هو الذي يحقق ما يريد”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق