أدب وفنون

لِحيائيل

أول يوم ظهر فيه أبو عبدو الغضبان منتصف ساحة المدينة، ظهر كأنما انشقّت عنه الأرض، أو كأنه خرج من عماء المجهول إلى علن المعلوم، وبعد أول مشوار له في الشارع الرئيس بلحيته الخارقة، أخذ عن استحقاق وجدارة لقبه الذي يليق: لحيائيل!

وعلى الرغم من أن المدينة كانت في العصر الذهبي للّحى، تسرح لحاها وتمرح في أنحائها على هواها، من كل المقاسات والغايات والأنواع والحجوم، وشوارعها تكتظّ بالمئين، إن لم يكن بالألوف، عدا أشباه اللحى من السكاسيك والعكاكيز والمقطّشات، والعنافق المخضبات الملوّنات الحمراوات أو الشقراوات… مع هذا -وربما لهذا- نزلت لحية أبو عبدو الغضبان نزول الصاعقة، أو هطلت هطول الغيث على أرض عطشى، فبزّت الجميع في بضاعتهم التي بها يفتخرون ويتسكّعون، وبحجومها يتنفافخون ويتنافشون.. فما كاد ينهي أبو عبدو الغضبان اللحيان، أول جولة في شارع الثورة الرئيس، حتى اشرأبّت صوب لحيته العيون، وصوبت نحوها سبطانات الأنوف، وزربت من أطراف الشفاه آيات الإعجاب، ونفحات الطرب، وأحيانًا كثيرات نقرات الأصابع على وجوه الخشب:

الله الله على هذه اللحية يا أبا غضب!

لحية أبو عبدو الغضبان آية من آيات الإعجاز، فمن ينظر إلى وجهه من أعلى، سيرى حاجبين عريضين كثّين متصلين غير منفصلين، وجبينًا ضيّقًا مغمورًا بشلال شعري منكوش من كل الجهات. ومن ينظر إليه مواجهةً في الوسط، فسيرى شاربين معقوفين معقوصين مدوّرين منتصبين، كل طرف عبارة عن ذيل عقرب مشرأبّ، فإن جمعت طرفَي الشاربين بمعادلة واحدة، فسيكون ثمة فوق شفتي أبي عبدو اللحيان الغضبان عقربان متناظران، في وسط شعري مهيب. أمّا من ينظر إلى وجه أبي عبدو من أسفل، فسترى عيناه معجزة ربانية في هيئتها اللحيانية! وهكذا من ساعتها، غدا الغضبان لحيائيل من تحت، وعقربان في الوسط، وشنبازيان من فوق!! ومن ساعتها لم يهدأ العارفون بأسرار اللحى عن الهمس أو التمتمة، أو تقليب الشفاه، أو الصلاة على النبي، كلما عبر لحيائيل، أو خطر، أو تنمّر أو شمّر:

اللهم صلّ عليك يا رسول، على هذا العرض وعلى ذاك الطول!!

في لحية واحدة جمع لحيائيل ما لا يقبل الجمع! وآلف بين من لم يقبل المؤالفة على طول المناكفة والمخالقة: من لحية هارون إلى لحية قارون إلى لحية ماركس إلى لحية أبي بكر البغدادي، وصولًا إلى لحية الجولاني ومقشّة الخميني الإيراني! فجاءت لا قبلها قبل، ولا بعدها بعد، ولا مثلها مثل.

إن مشي الغضبان مرفوع الهامة، مطنوب القامة، تصلْ أطراف لحيته أدنى ذكرته وأعلى ذكورته، وإن جلس مشدود الظّهر موتور الخصر، فستملأ حضنه وتلعب خصلاتها بين فخذيه. أمّا إن التفت يمنةً أو يسرةً بغتةً، أو جفلةً، أو حمْقةً، فسوف يرى الذاهلون مقشّة بلان يابس! تكنس الفراغ الحادث، وتشعّل غيرة الحسّاد وحرقة الأكباد، وتُسمع قولة الحيّاد:

“ولك شو هاد؟ شو هاد؟؟”!

لم يكن أبو عبدو على دين الباطل ولا في ضلال مبين، عندما آمن أنّ لحيةً بهذا الطول، وهذا العرض، وتلك الكثافة، ستفرض آيات الوقار والجمال والعشق العذري.

لو قيّض لك أن تنظر إلى لحيته عن بعد، في تجمّع أو في حشد، أو تظاهرة عفوية، أو حفل تأييد أو تجديد أو تأبيد، أو حتى في شارع من الشوارع المستلقية على أقفيتها، تحدّق في القبة الزرقاء، فسوف تتوهم أنك ترى بين الكتفين حرشًا في هيئة رأس، أو رأسًا في هيئة “دكشة”. وقد تعجب كيف يتخطّر هكذا دغل متحرّك في شارع ثورة مستدامة!

ألله الله على لحيتك يا أبو عبدو!!

طالما اعتاد لحيائيل أن يسمع كلام الإطراء، ويتجاهل عبارات التلطيش حتى من الأصحاب المرحين، في مشاوير ما بعد الظهر، أو إبّان أماسي قبيل الغروب!!

أما الموتورون من أهالي الحارة الشرقية، الذين لا يخفون غيرتهم، فكم رددوا على سبيل المزاح الثقيل:

“ما هذه البريّة يا لحيائيل! قسمًا بالله العظيم ليس لها مثيل،

يا زلمة أنت تقصر وتستطيل، وهي تنفر وتشيل!

كأنها تمصّك مصًّا وتعصّك عصًّا!

لا، ورب الكعبة، إنْ هي إلاّ مقشة بلان على لوح من خشب السنديان!”.

وأبو عبدو الغضبان يبتسم للظرافة، أو يفخر للقيافة، ويحمد الله سبحانه وتعالى على هذه الأيّام، وقد أبدعت له هذه اللحية، فوصل بها بين الأصالة والمعاصرة، والمعاصرة والمفاخرة، والمفاخرة والمجاكرة، والمجاكرة والمغامرة.

لحيائيل شرّق، لحيائيل غرّب، لحيائيل جحرن أو عترس، أو في الأسواق تمترس. لحيائيل واقف عند منعطف، أو عابر جوار زاروب، أو دالف على هون، أو مستمتع بعرض لحيته على عيون المتفرّجين، أو المشاهدين، أو المعجبين، أو المفلحصين الذّاهلين، بينما تزمزم حوله عشرات اللحى الموالية المؤيّدة، كما تزمزم عاملات النحل حول سيادة الملكة.

وعلى حين غرّة، غاب لحيائيل! فجأة، من عزّ دين العزّ لم يعد يظهر في شوارع المدينة، كأنه فصّ ملح وذاب!! لم يعد يلتقيه أحد، لا في الشوارع ولا على أطراف المساءات ولا العصرونيات! وخلت المدينة من مشاهد الإبداع للحيته المنفوشة غير المقشوشة.

الراوي العليم الذي يروي الحكايات في الروايات، المعجب باللحى الموسوس بهيباتها ونكوشاتها، بدوره تساءل وعجب، وخاف أن يكون أحد من المندسّين، أو الزعران، أو المتعاملين، قد خطفه، أو اعتقله، أو رهنه مقابل فدية مجزية وهدد بملط لحيته. وبقي الراوي يتساءل دون الوصول إلى نتيجة أو جواب… إلى أن رأى، هو وعيون المدينة في آن، ما لا عين رأت! ولا خطر في ذهن عاقل، ولا جال في بال مجنون من مجانين أجدادنا الأوّلين، قبل أو بعد أن انفصلوا عن أبناء عمومتهم قرود الشمبانزي!

لحية خيالية ظلامية تتمشّى في الشارع الرئيس، وعلى هون وبعبوس مدلهمّ.. وقف الراوي العليم مذهولًا عاجزًا عن الكلام، فقط، جعل يصلّي على خير الأنام، لهذه الهيبة والطلّة والرهبة، بينما ملتحيها يدلف على هون، ويرفع رأسه على هونين، أو يتلفت حين يتلفّت على ثلاثة هونات… منتصبًا مشرأبًا، يحيط به فيلق من اللحى، أدناها أعلى مقامًا من لحية لحيائيل، فيبدو قمرًا منيرًا بين كرامٍ من النجوم. في حين كان الشارع العام من الغرب إلى الشرق ومن الشرق إلى الغرب، بما فيه أصحاب المحال والسوبر ماركات، وبائعي عربات الخضراوات، والذين خرجوا من أفواه الحوانيت الناظرات، أو مدوا رقابهم من خلف الأبواب المواربات، الجميع جامد شاخص ذاهلٌ، يتابعون ويراقبون، وبصوت مخشوشن يرددون:

لا لا لا.. هيك كثير!

الرأس أحلط أملط أزلط! واللحية دكشة متحركة، تتمدد ذوائبها السفلية على هيئة عريشة عنب، تظلل العريشة بدورها بطنًا مهولًا، يبدأ من منتصف الرقبة وينتهي منتصف الركبة، بينما تعسكر حول الزعيم عصابة لحى عابسة متجهّمة، أحقر لحية فيها أكبر من رأس لحيائيل!

الراوي العليم لم يستبعد أن يكون هؤلاء الشبّان، فصيلًا من فصائل الجان، أو رهطًا من أرهاط الملك سليمان؛ فجعل يردد وهو يغادر المكان:

اثنان لا يتّفقان ولا يجتمعان:

ديكان على مزبلة، وملكان في مملكة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق