تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

من جديد قمة رباعية في إسطنبول بخصوص سورية

بعد عقد القمة الرباعية الأولى التي جمعت وفودًا من تركيا وروسيا وفرنسا وألمانيا، في إسطنبول، في 15 أيلول/ سبتمبر 2018، عادت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، لتُشير إلى أهمية عقد قمة جديدة تجمع زعماء الدول المذكورة، خلال الشهر الجاري.

وعقب انتهاء القمة الرباعية الأولى، شدد المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، على اتفاق الجميع على أن حل الأزمة السورية، لا سيما في ما يتعلق بمدينة إدلب، يجب أن يكون سياسيًا لا عسكريًا، مضيفًا أن تركيا تعهدت أمام الدول الحاضرة على حل مسائلة المقاتلين في إدلب.

بعد انتهاء القمة الرباعية الأولى، التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، نظيرَه الروسي فلاديمير بوتين، في سوتشي، بتاريخ 17 أيلول/ سبتمبر. وقد خرج لقائهما باتفاقٍ يقضي بمنح تركيا شهرًا لحل مسألة المقاتلين “الجهاديين”، إضافة إلى اتفاقهما على تحقيق انتشار “تشاركي” في مناطق جنوب الطريق الدولي.

يُتوقع أن القمة الرباعية الأولى قد أظهرت الدعم الأوروبي لتركيا؛ ما حدا بالجانب الروسي إلى منح تركيا شهرًا إضافيًا على الشهر الذي مُنح سابقًا لها على هامش محادثات آستانا 10 ـ سوتشي 2، من أجل إنهاء ملف المسلحين في إدلب، وفي حال عُقدت القمة الرباعية الثانية، فقد يفضي الاجتماع إلى منح تركيا مزيدًا من الوقت الذي تحتاج إليه لحلّ مسألة مُعقدة لا يكفيه شهر أو شهرين.

ربما تُفهم روافع الضغط الدبلوماسي الأوروبي على الجانب الروسي، من خلال الإشارة إلى وسائل عدة أهمها حلف (الناتو). أيضًا، يُدرك الجانب الروسي أن حلّ ملف إدلب عسكريًا، قد يؤدي إلى نتائج عكسية على تحركها في إيجاد تسوية طويلة الأمد في سورية. لكن يبقى الأهم في الأمر هو التساؤل حول بواعث عقد القمة في الوقت الحالي.

دوافع عقد القمة التي أظهرت مسار إسطنبول

  • تحرك دبلوماسي ألماني لمنح أزمة لجوء عارمة:

ظهرت فكرة القمة للمرة الأولى على هامش لقاء أردوغان بميركل في بروكسل، منتصف تموز/ يوليو المنصرم. وفيما تم الاتفاق على أن تكون القمة ثلاثية، طالبت فرنسا بالانضمام، لتصبح القمة رباعية. وعلى الأرجح تتخوف من حدوث أزمة لجوء عارمة، في حال رفعت يدها عن دعم تركيا التي تعدّ دولة ضامنة، وفقًا لمسار أستانا الذي لا تملك الدول الأوروبية مقعدًا فيه.

  • الموقف الأميركي غير المنسجم مع الطموح التركية والأوروبية:

بحسب دراسة لمؤسسة (راند) معنونة باسم (خط سلام من أجل سورية 4)، فإن التوجه الأميركي الاستراتيجي حيال سورية يقوم على الانتشار في مناطق إدارات محلية ترتبط بالمركز بنظام “لا مركزي”. وفي الغالب سيكون نظامًا فدراليًا قد يؤدي إلى تمزيق بعض أوصال الجغرافيا السورية الحدودية، ويجعل الصراع ديموغرافيًا وأمنيًا طويل الأمد. ولعل تحركات الولايات المتحدة الميدانية والدبلوماسية في سورية، تُوضح ذلك بشكلٍ ملموس. ولا ينسجم هذا التوجه مع الطموح التركية الرامية للحيلولة دون منح الأكراد، على وجه التحديد، الحكم الإداري المناطقي المذكور، أو الحيلولة دون تأسيس نظام يقوم على هوية قومية.

في ضوء التوجه الأميركي الأحادي البعيد عن التوافق مع الدول الأوروبية، لجهة اعتبار ترامب أن الأخيرة لا تُساهم بشكلٍ كافٍ في التحركات المشتركة، ترى الدول الأوروبية أن الولايات المتحدة تُحابي روسيا لجذبها نحو تحجيم النفوذ الإيراني، وهو ما يؤدي إلى تنامي النفوذ الروسي في المنطقة وحوض شرق البحر المتوسط، على حساب المصالح الأوروبية في المنطقة، ويُطيل أمد الصراع، وبالتالي يُصبح تحركها لدعم تركيا، كعنصر موازن للنفوذ الروسي في سورية، أمرًا مهمًا. وهذا ما يُظهر إرهاصات لتحرك أوروبي مستقل عن السياسة الأميركية التي قامت بالضغط اقتصاديًا على تركيا، في وقتٍ تحتاج تركيا، كحليف لـ (الناتو)، إلى دعم أوروبي كاف لمواجهة الخطط الروسية حيال إدلب، ومواجهة العقوبات الأميركية المفروضة ضدها، بعد رفضها الانضمام إلى العقوبات الأميركية المفروضة على إيران التي تُغطي نسبة كبيرة من حاجة تركيا إلى الطاقة، فضلًا عن حاجتها إلى الدعم الأوروبي في تسريع عملية إخماد الصراع. وهنا تظهر حاجة متبادلة بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي، تدفعهما إلى تحقيق تعاون مشترك في المستقبل.

وفي ظل تنامي النفوذ الروسي في سورية، وحوض شرق البحر المتوسط، على حساب الخفوت النسبي للنفوذ الأميركي، في ظل إدارة ترامب، تُصبح دول الاتحاد الأوروبي بحاجة ماسة إلى تركيا؛ الدولة الضامنة لعملية التسوية السورية وذات النفوذ الجغرافي والعسكري في حوض شرق البحر المتوسط.

بهذه المعادلة، تُمثل تركيا عنصرًا مهمًا جدًا لتأسيس ميزان قوى يواجه النفوذ الروسي القائم على مشروع “الأوراسيانية” الذي يعني اتساع نفوذ روسيا الأمني والاقتصادي والدبلوماسي في جغرافيا ومياه قارتي أوروبا وآسيا، لفك العالم من الهيمنة الغربية. وتحاول روسيا اليوم، عبر بناء قواعد عسكرية والحصول على حق التنقيب عن حقول النفط والغاز الطبيعي وإبرام اتفاقات السلاح، إحراز مبتغاها. ولإبعاد تركيا عن تحقيق مزيد من التقارب لروسيا، وللإبقاء على تركيا قوية الأوراق نسبيًا، أمام روسيا في سورية وحوض شرق البحر المتوسط، يبدو أن ألمانيا، ويساندها في ذلك فرنسا وبريطانيا، ارتأت ضرورة في التحرك الاستباقي نحو دعم تركيا، من أجل موازنة روسيا قبل تناميه في المنطقة قدر الإمكان.

  • أقطاب تُسرع حل الأزمة:

على الأرجح، لا يأتي عقد القمة برغبة تركية بحتة، بل يبدو أن لروسيا مصلحة في ذلك، حيث ترغب في توسيع نطاق تحركها الدولي حيال عملية التسوية، في سبيل تسريع تعويم النظام اقتصاديًا ودبلوماسيًا، عبر فتح خطوط التجارة الدولية، وفتح الحديث عن عملية إعادة الإعمار التي من المتوقع أن يكون للاتحاد الأوروبي مساهمة تمويلية كبيرة فيها.

النتائج المُتوقعة

يبدو أن أهمَّ النتائج التي قد تُفضي إليها هذه القمة، على المدى القصير، منحُ تركيا مزيدًا من الوقت لإنهاء ملف المقاتلين “الجهاديين” في إدلب، من دون عملية عسكرية تُجريها روسيا. أما على المدى الطويل، فيُتوقع أن تنتقل عملية التسوية من مسار آستانا إلى مسار إسطنبول الذي يجمع روسيا والأوروبيين، في سبيل إتمام عملية التسوية، بما يشمل عملية إعادة الإعمار، وعودة اللاجئين، وموازنة التوجه الأميركي الصلب الذي يُطيل أمد الصراع ويسبب أزمات لجوء، ومن ثم نقل الملف إلى جنيف من أجل إضفاء صبغة دولية عليه، بعد تخليص روسيا له للتعقيدات الإقليمية؛ بتحديد مناطق نفوذ إيران، والانتقال إلى مرحلة تحديد نفوذ تركيا والطرف الأوروبي. ذلك النفوذ الذي يمكن أن يشكل عنصر ضغط على التوجه الأميركي نحو خوض تصعيد دولي ـ إقليمي صلب، ضد النفوذ الإيراني في سورية.

في الختام، تُدرك روسيا وتركيا ضرورة استمرار التعاون المشترك المُنطلق من توافقهما المُطلق، على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وإيجاد حل استراتيجي يشمل حلًا طويل الأمد، بعيدًا عن السقوط في أنانية تحقيق المصالح. وعلى الرغم من هذا الإدراك، فإن تركيا تبقى بحاجة إلى ظهير دولي يدعمها أمام الدب الروسي، كي تظهر أمامه بقوة، في ظل الإصرار على انتشار القوات الروسية في جميع أنحاء سورية، بما يشمل تلك المنطقة المستقرة التي تسعى تركيا لتأسيسها على طول حدودها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق