أدب وفنون

حين سبقته قدماه إلى الجنة

طحنت الحرب في سورية كلّ الأجناس، من بشر وحجر، لم ينجُ منها إلا ذو حظ عظيم، فلا مزاح مع الحرب، لأنها تُنتج مشروع شهيد أو ابن شهيد أو زوجة لرجل ذهب إلى الجنة، أو سبقته يده إلى هناك، وفي كل الحالات أنت إرهابي، سواء أكنتَ بساق أم من دونها، فأنت في رحلتك اليومية داخل أسوار بلادك قد تغمُزُ قنبلة فتنفجر إلى جانبك وتفقد قدميك، وتكمل العمر على أمل أن تكون قدماك قد سبقتاك إلى الجنة.

تلك المرأة التي أحبّت ذاك الرجل العشريني، وتزوجته وأنجبت منه ولدين، لم تكن تعلم أن قدميه ستشفعان للعائلة في الجنة، ولم تكن تعلم أنه حين خرج من المنزل في ذاك اليوم العصيب، لينقذ الناس من تحت الأنقاض، سيعود لها بلا ساقين، محمولًا بدل أن يكون مُحملًا بخبز يومه، نظرت من بعيد وبكت، لقد عاد إليها لكن من دون ساقين، خذلها، نظر إليها برهة وقال لها بصوت منتصر: “لقد سبقتني ساقاي إلى الجنة، لا تحزني”.

في وطن يدعى سورية، هناك مئات آلاف الشبان ممن سُرقت منهم أطرافهم، و”سبقتهم إلى الجنة”، أقنعوا أنفسهم بهذه الفكرة، ليُخفّفوا عن أنفسهم بعد أن بدلت الحرب تضاريس أجسادهم.

تلك المرأة الشابة التي نهشت الحرب قلبها، بقيت تعاتب نفسها لأنها لم تمنع زوجها من الخروج، ليبقى وساقيه معها، لكنها بحثت عن شهادة ميلاد جديدة لها، وزرعت قنديلًا من الأمل، على أمل أن يزحف ذلك المُقعَد بجانبها إلى الحياة من جديد، وبدّلت أبطال المسرحية مرة واثنتين وثلاث، وفي كل مرة كانت ترى زوجها بلا ساقين مُكوّمًا في زاوية الغرفة.

قطعت صلتها بالماضي، بسكين سنّته برمح القهر، وتنصلت من حبله السري، وكان عليها أن تودّع ساقي زوجها وتعتاد على حياته الجديدة، من دون أطراف اصطناعية تسنده، بل حتى من دون عكازين خشبيين يسمحان له أن يتحرك، ورغم هذا قررت أن تُقيم حفل زفاف جديد، ولبست طرحة بيضاء، وودعت التفاصيل لتواجه الواقع، فساقا زوجها سبقتاه إلى الجنة، وعليها أن تفرح وتنزلق في بحر القدر.

ذهبت إلى جمعية وثانية وعاشرة، تبحث عن مساعدة، وبعثرت أصابع الذل والحاجة أنوثتها، حتى تحصل على كسرة خبز من هنا وبضع حفنات من الرز أو البرغل من هناك، أو حتى على قليل من الحليب لطفلها، تسوّلت “كرم” هذه المنظمات في برد الشتاء، علّها تجد من يُركّب لزوجها أطرافًا اصطناعية، وأدركت أنه لم يسقط ضحية لحب الوطن إلا الفقراء.

لمعت نقطة ضوء من بعيد، أتتها موافقة على سفر زوجها إلى تركيا لتركيب أطراف اصطناعية، فرضيت بالفراق بلا تردد، لأنها تعلم أنه سيعود بقدمين جديدتين.

سافر وترك زوجته وطفله في الوطن، وكذلك ساقاه، ولم يكن يعلم متى يعود ليقرأ الفاتحة على قدميه من جديد، وركب أرجوحة القدر مرة أخرى، سيغيب ليعود بهدية ثمينة هذه المرة، ليست قطع حلوى ولا عطرًا لحبيبته، سيحمل ساقين جديدتين، أجمل الهدايا في زمن الحرب. فكّر وغرق في أحلامه بين الذاكرة المحمومة والمستقبل المستعار.

بعد أشهر عصيبة، تمكّن من تركيب أطراف اصطناعية، فكتب لزوجته رسالة امتنان، ووعدها أن يُرتّب حياتهما من جديد، وسيعيشان كالملوك في بيت جديد في بلد أوروبي جديد، سيلجأ إليه، فصدّقته وتناست أن الفقراء محكوم عليهم أن لا يعرفوا عيشة المترفين، وعليهم أن يسرقوا اللحظات الجميلة كاللصوص، ووعدته أن تزرع شجرة ليمون في القبر الذي دُفنت فيه ساقاه القديمتان.

لم تكن تلك المسكينة تعلم أن رحلة الحروب ستكون طويلة، وصدقت أن زوجها سيتمكن من الوصول وإحضارها. سافر الزوج في رحلة “البالم” الملعون، يرافقه صديقان ممن سبقتهم أطرافهم إلى الجنة، معتقدين أن أطرافهم تلك ستشفع لهم في طريق ترحالهم، “عكّزوا” بأطرافهم المستعارة، ونسوا أن حياة الفقراء في الحرب أيضًا مستعارة، ركبوا رحلة المستقبل الموعود، وهاج البحر، ورافقتهم لعنة الحروب، وغرق المركب، وتحول قصر أحلامهم إلى خراب، ولم ينعموا حتى بأن يُدفنوا إلى جانب أطرافهم التي سبقتهم إلى الجنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق