هموم ثقافية

مخلب المثقف وقناعه

إن كانت الأشياء تتحدد بنقائضها، فإن ما يرد على لسان بعض “الكتاب والمثقفين”، يسعى لأن يكون نقيضًا لثقافة مقدمة ومدمرة في آن معًا، تارة من على منابر الطغاة وتخوم صحافتهم وإعلامهم، وتارة أخرى في الرحيل بلباس ومظهر مختلف، زحفًا للبحث عن مال “ملعون” وعن سياسة “متآمرة”، يتهامس بها وعنها من يتبادل الوجه والقناع، على الأقل بين دمشق والقاهرة ورام الله وبيروت.

تلافيًا للالتباس، نوضح أن المقصود هنا شخوص مثقفة بعينها، بعضها جعل من بعض “المنابر” مطية لممارسة نفاق وانتهازية، كجزء من عمل لوبيات تخدم الطغاة والمستبدين، بأموال ومنافع من جهات تدّعي “مقاومتها” لها في مجالسها الخاصة، وفي منابر إعلامية واسعة الانتشار والثراء. على سبيل المثال، يتبارى جزء من الكتاب والمثقفين للفوز بنشر كتاباتهم هناك، بما يتعلق وشأن المواطن العربي، أو بقضايا إقليمية ودولية، في الصحف الورقية، والمواقع الالكترونية، ما يفيض عن أسماء بعينها، تمارس التقية الثقافية والسياسية، على أساس الاختصاص بتناول موضوعات محددة، القضية الفلسطينية “هنا” نموذج  لحياد الاختصاص، وهو أسلوب مجرب مع الإعلام الرسمي للنظام العربي، ليبرز سؤال عن حاجة البعض المنتعل صهوة إعلام النظام السوري، وإعلام الارتزاق في دمشق والقاهرة بيروت وعمان ورام الله، ما حاجتهم للسعي المستمر للظهور في إعلام يعتبرونه “متآمرًا”؟

في حين يُظهر المثقف مِخلبهُ  لممارسة سباب وشتم دولة “رأس الفتنة”، ومهاجمة شعب مورست عليه كل الجرائم، في انتهازية مقدمة على مدار سنوات، حين بقي يدور حول لوحته وألوانها، شطر الشعر، وفصل الرواية ومنهج الفلسفة الإغريقية واليونانية، يجتهد لربط الأنثروبولوجيا مع الأنطولوجيا، لا يقترب من بحار اللاجئين، ولا من حدود الطاغية وأسلاكه الشائكة، ومدن الحصار وزنازين الموت والأفران البشرية وملايين المعذبين، لكنه يمقت في مجالس النظام، دور مثقفين آخرين، لمجرد وجودهم في الدوحة أو باريس ولندن، وفي أماكن التهجير المختلفة، لديه قدرة ساحرة على متابعة التفاصيل القريبة من الطاغية.

نعيش اليوم حالات انتقالية، أكثر من التغييرات الحقيقية على صعيد الثقافة والكتابة، ومن خلال العودة الكابوسية لطقوس الماضي، مع اجترار المتاريس بعضها فوق بعض، لتجديد حيوية حركة بعض المثقفين المناهضين “للاحتلال وللعولمة وللإمبريالية والتطبيع”، وللرجعية العربية في أروقة منابر إعلام الأسد والسيسي، ذلك ما تقره حركة كتابات تتخذ من منابر “إعلامية” مطيتها في التنكر والتلون. الحديث عن ثورة الشعب السوري وتضحياته الكبرى باعتبارها “أزمة”، وعن انقلاب السيسي ودمويته في مصر “أزمة” وحالة تدافع سياسي، أما فلسطين فكل ما يدور حولها من ثورات مؤامرة مدبرة.

لكن كيف لكاتب، أن يكون ضيفًا على منبر يُستخدم لتغطية مجازر الأسد طيلة سبعة أعوام، وهو يتحدث عن فلهوته المُكتشِفة لكلّ خبايا التاريخ، بالقفز عن إجرام الأسد، وكيف تتجلى فصاحة المثقف عن “الدور القطري” والإمبريالي، في وسائل إعلام النظام ومحور الممانعة، للحديث عن الإعلام المُخرب.

بطبيعة الحال، البعض يظهر في إذاعة محلية في دمشق، وبعيدة عن متابعة الإعلام، وتبث للداخل، كما هي أحاديث صالونات هرج مثقفي الأسد والسيسي، وبعضهم يقدم أقنعته بكتابات لا تعكس حقيقة المواقف على وسائل إعلام الطغاة، لكنها تبث على موجتهم، لحاجة انتفاخ الجيوب من منابر “المؤامرة”، وتلك فلهوة أخرى من لغة الأيديولوجيات المتمظهرة اليوم بطريقة ماهرة وساحرة، تصفف خطاب التملق والنفاق، عبر انتهازية تبرير وجودها، وتفرض هيمنة من نوع مختلف، بهذا التناوب على فعل اجترار لغة “الاختصاص”، كالتطرق إلى الجريمة دون المجرم، حتى يناله كرم المتابعة والحضور المستمر، لتُمارس طقوس شعبوية تندلق منها لغة تستقي مبرراتها من ركاكة ذهنية.

أقلام وأسماء، تدعي الانخراط في قضايا العصر وإشكالاته، تترك خلفها مناخًا ملوثًا، مهمته اغتيال الحقيقة التي يدعي الجميع تقديمها لقلوب ما زالت تحتفظ بحرارة إنسانيتها، والأهم، احتفاظها بالقدرة على النجاة من طعنات الاغتيال المتكرر، وعلى تبيان الأنياب والمخالب عندما تكون ظاهرة في خطاب المثقف، من على منابر القاهرة ودمشق وبيروت، ثم تختفي من على منابر إعلام “المؤامرة”، كما تكشف آثار مخالب المثقفين عن تسميتها للبشر، وعن الضمير المتحول إلى مأساة مشتركة مع المخالب والأقنعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق