مقالات الرأي

الإلهاء الذكي

قبل نشوب الثورة السورية بقليل من السنوات، تمّ طرح مشروع لتعديل قانون الأحوال الشخصية في البلاد، وقد أثار حينذاك نقاشات طويلة ومتوترة، وأسال مئات الليترات من الحبر للكتابة عنه، وخصوصًا ضده. وبدأت البيانات تفيض في أنهار الكلام، وتمت الدعوة إلى توقيع تظلم موجّه لرئاسة الجمهورية، ودعوة رئيس “التحديث والتطوير” إلى التراجع عن هذا المسار. وانشغل المجتمع السوري بكافة مكوناته بتحليل النص واكتشاف ما ورائيات الفحوى. وانهمك المثقفون في كتابة المقالات المفنّدة للمشروع والموضّحة لسلبياته ولتعرضه السافر للتطور المنشود في المجتمع “المثالي” الذي انتظره مخدوعوه منذ بداية المسيرة سنة 2000. كما قام الفنانون بتأدية مقاطع تمثيلية، للتنديد بما يمكن أن يؤدي إليه تنفيذ ما ورد في المشروع وتضافرت جهود الكتاب والشعراء على عرض السلبيات التي سيحملها تنفيذ مثل هذا القانون على بناء مجتمع سوري حديث.

حينذاك، وفي حمأة التوتر السياسي الناجم عن فشل وهم مشروع “التحديث والتطوير” ووقوع سورية في غيهب العزلة الدولية وانتقال عشرات الألوف من الفلاحين إلى عشوائيات المدن الكبرى، نتيجة للجفاف الذي وقع على رؤوسهم بمؤازرة سياسات زراعية قائمة على الفساد والإفساد، ابتسم المُشرّع ملء شدقيه وشعر بالنشوة، لكون ما أطلقه من “فأر” اختبار، بين أرجل الناس، قد أثار اهتماماتهم وأشغل أيامهم وملأ سهراتهم بالكلام والأحلام. ونجح في إبعادهم عن الهمّ الوطني المستند إلى فشل الدولة ومؤسساتها، وإلى انهيار الاقتصاد وفساده، وإلى انحدار التعليم، وإلى قمع التعبير، وإلى مصادرة المجال العام. وبدا الأمر للمراقب الخارجي وكأنه خلاف مهمّ وجذري على تصوّر طبيعة المجتمع وكيفية إدارته. وكتبت الصحف العالمية مقالات موسعة، إضافة إلى تحقيقات مصوّرة قابلت خلالها ممثلين عن النخب المجتمعية مستعرضة أراءهم في ما يتعلق بالقانون المزمع إقراره. واستمرت الأمور بين شد ورد وصد إلى أن تم سحب المشروع وتعديله، مما منح معارضيه جرعة رضا وكأنها جرعة مورفين مضاعفة، خدّرت أحاسيسهم وأضفت عليها شيئًا من الفخر بإنجاز لا ناقة لهم فيه ولا جمل. ومن جهتها، كتبت السفارات الأجنبية تقارير أشادت فيها بالحراك المجتمعي، ولكنها أشادت أكثر بتجاوب السلطات “الواعي والحضاري” لتمخضات الحوار المجتمعي حول القضية.

وفي نسخة إجرائية طبق الأصل، صدر منذ أيام المرسوم الجمهوري رقم 16 المتعلق بتوسيع نفوذ وسيطرة وزارة الأوقاف على إدارة الشأن الديني في البلاد. والتزامًا بالصدقية، فأنا لم أقرأ النص ولن أقرأه لعدم الاهتمام ولمعرفة أن التاريخ يُعيد نفسه. ففي ظل مقتلة مستمرة منذ 8 سنوات تجري في رحاب البلاد، أدت إلى تدمير الحجر والبشر وإلى نشوء إقطاعات أمنية وعسكرية واقتصادية متنوعة ومتلونة، رمى النظام بذكاء بمرسوم تنظيمي لا “يحل ولا يربط” كما أترابه من مراسيم وقوانين، كما بنود الدستور القائم، لم تجد لها تنفيذًا في سورية منذ عقود إلا فيما رحم ربي.

وقع جُلُّ السوريين في فخ نُصب لهم بذكاء متكرر، فانبروا إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وقاموا بتداول بيان مقتضب مندّد بهذا المرسوم وحمولته، مُعبّرين عن رفضهم مشروع “الدولة الدينية” التي خُيّل لهم أن المرسوم قد أرسى دعائمها. والتقى في هذا التنديد جزءٌ من معارضي النظام وجزءٌ آخر من مواليه. بل حتى من أزلامه كبعض أعضاء مجلس “الشعب” المعيّنين من قبل الأجهزة الأمنية. فكان أبرزهم تفصّحًا هو من قام بحمل راية التصدي لهذا المرسوم، مع دعوة القيادة السياسية (التي هي دائمًا مُنزّهة عن الأخطاء و”حكيمة”، ولكنها محاطة بمستشاري السوء) إلى التنبّه لمخاطر هذا الإجراء على سورية “العلمانية” المنطلقة على دروب “التحديث والتطوير” والتي ربما بالنسبة إلى هؤلاء قد تجاوزت هذه الدروب، عبر تخفيف عدد السكان إلى النصف تقريبًا باللجوء إلى التهجير والقتل والتدمير. مما سيتيح مساحة أوسع في المستقبل لتنمية متوازنة في البلاد، لا تأخذ بعين الاعتبار مسألة التكاثر السكاني المرتفع التي كانت تقلق تكنوقراط المنظمات الدولية.

في بلدٍ لم تحترم فيه يومًا قوانينها ولا دستورها، وهي كلها من وضع ومن صياغة ومن إخراج مَن هو على رأس قيادتها منذ عقود، ما هو هذا الهمّ الناجم عن صدور مرسوم جديد على مساوئه المتوقعة؟ وفي بلدٍ تم تدميره جزئيًا من الناحية المادية، وكليًا من الناحية الإنسانية والمجتمعية، ما هو الخطر المحدق به إن تولّت وزارة الأوقاف مسؤوليات أوسع وأشمل على الورق ونظريًا؟ وفي بلدٍ يمسح فيه أصغر مسؤول أمني حذاءه بأطول فقرات قوانينه الإجرائية والجزائية والاقتصادية والجنائية، كيف لمثل هذه الأوراق أن تكون مصدرًا لإعادة إحياء “التضامن والتكافل” المجتمعيين للوقوف في وجهها؟

هل غاب عن الجميع أن الأمنوقراطية لا تستند إلى نصوص، وأن تأهيل جيل من الظلاميين عبر منع الفكر التنويري، وفرض المعاهد الدينية بعيدًا عن أي منهج إصلاحي، وإعطاء أدوار راسبوتينية لمتعممين متمجّدين طوال عقود، لم يكن بحاجة إلى مرسوم؟ وبالتالي، فلن يكون لأي مرسوم أو قانون أو نص، أيُّ أثر أو وقع في حسن سير العملية الأمنوقراطية، وما تتطلبه من قمع وفساد واستهزاء بالقوانين وبمن خطّها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق