أدب وفنون

(السوريون المعاصرون).. اكتشاف الذات عبر الآخر

في رحلةٍ استغرقت ثلاثة أعوام، ومذكرات تدور حول جمال سوريا الطبيعي والعمراني، والبيئة الثقافية والاجتماعية للأماكن التي مرّ بها، يرسم الرحالة البريطاني (الذي لم يذكر اسمه واكتفى بتقديم نفسه على أنه “طالب دراسات شرقية“)، في كتابه (السوريون المعاصرون)، لوحةً تتفاوت بين المشرق من الألوان والمعتم القاتم. استغرقت الرحلة ثلاث سنوات، بدأت من بيروت حتى جبل لبنان ودمشق وحلب والساحل السوري؛ حيث وجد نفسه وسط حكاية خرافية. “كنت أشعر كما لو أنني أدخل عالمًا مختلفًا”. بدت سوريا بين الأعوام (1841-1842-1843)، أعجوبة فنية تضاهي في روعتها سحر رسومات باخ، والبحار الذهبية في لوحات جان كلود.

يتفرع الكتاب إلى مسارين: الأول يتناول الجانب العمراني، تصطبغ لغته بألوان زاهية، والثاني دوِّن بقلم قاتم ويدور حول البنية الثقافية والاجتماعية بعيون رحالة أجنبي. في المسار الأول تبرز بيروت في مقدمة اللوحة برصيفها البحري والأعمدة المتداعية التي شيدها فخر الدين المعني، تجسيدًا للوحة المارينا “ويمكنك أن ترى البحار الذهبية التي رسمها الفنان كلود. يصادفنا في تجوالنا تنوع مذهل من حراس بأزياء تركية، وألبان يلبسون التنورة ويحملون مسدسات، ورجل إنكليزي أنيق، وخلف هذا المشهد تبرز خمارة يونانية شبيهة بالكهف وفوق طاولتها روادها المشاغبين والسكارى”.

تنال دمشق التي تتمتع بشيخوخة خضراء، النصيبَ الأكبر من الوصف؛ فمن الدير الإسباني إلى خان أسعد باشا الذي يعتبر قمة في الإبداع، حيث يعقد التجار في باحاته برخامها المصقول مقايضاتهم واتفاقاتهم التجارية، ولا يستطيع، وهو يتأمل ضخامة بنائه وروعة تصميمه وفخامة مدخله واتساق قبابه، إلا أن يكتب: “لولا تحريم الإسلام للرسم، لربما نشأت في هذه المدينة مدرستها الخاصة في الرسم والنحت، لتنافس مدراس العواصم الإيطالية”.

وتبدو البيوت الدمشقية بنوافيرها التي تربو على ثلاثين قدمًا. تظللها أشجار النارنج والرمان، وكأنها قطعة من الجنة. “عند هذه النقطة فهمت، لماذا كان الرحالة يتحدثون بحماس وحرارة عن جمال البيوت الدمشقية”. وحين ينتقل مع مضيفه من باحة البيت الخارجية إلى داخله يقول: “بدا أننا انطلقنا من المطهر إلى الفردوس”.  كما يتطرق بإسهاب إلى روعة المقاهي الدمشقية، ويصفها بأنها “أرفع مقامًا من مقاهي باريس”، وتنساب اللوحة لنرى الرحالة يحتسي الشمبانيا في مناسبة عيد القديس اليعازر، برفقة مضيفه والقنصل الفرنسي والقنصل الإنكليزي والمغنيات اللواتي يبدون كساحرات ماكبث بشحوبهن وهزالهن.

لكن الألوان المشرقة للوحة تعتم بالتدريج، كلما تقدمنا في عمقها، حيث يتفشى الطاعون في بيروت ومختلف مناطق الجبل، ويُضرب طوق صحي حول بلدة غزيز التي يغلفها ليل المرض والموت، فيحولها إلى مكان مهجور يحيط به مفتشو الحجر الصحي، ويصفهم الرحالة بأنهم “حثالات الرجال القادمين من الموانئ الإيطالية واليونانية؛ فهم على الرغم من دخلهم المرتفع من السلطات التركية، يحتجزون السفن ويتلقون الرشا“.

يقول: “أعطت أوروبا المشرق، بطريقة مدمرة، مساوئ حضارتها وجملتها، وبجلتها باسم الإصلاحات“، وبينما يضرب الطاعون البلدات، يغرق رجال الدين في مناقشات عقيمة تتعلق بدوران الأرض وموقع جهنم هل هو في مركز الأرض!

ويصف الرحالة، المعارك الدامية بين العائلات الكبرى في جبل لبنان، التي انتهت بتدخل الباب العالي العثماني، ويتصادف وجوده مع ما جرى في دير القمر التي كانت أشبه بلوحة لمارتين، حيث أشجار الصنوبر، وحيوية الألوان، لكن هذا المشهد الرائع سيظلم بسبب الحروب، فقد حل مكان الدكاكين والساحة والمشهد البهي دمار مريع، وفي ذلك يقول: “اندلع بسبب النزاع على حق اصطياد الحجول، وانتهى بإصابة ثلاثة وأربعين شخصًا؛ حيث قتل ثمانية عشر شخصًا وجرح خمسة وعشرون”، وبريشة مصبوغة بالأسى يرصد خراب دير القمر في تشرين الأول/ أكتوبر 1841.

من مار حنا الشوير التي أنشئت فيها أول مطبعة عربية ناجحة، في عهد السلطنة العثمانية 1735، وطبعت فيها المزامير، حتى روعة بعلبك، يُؤسف لما آل إليه وضعهم. “حيث القانون الصارم قانون تدهور الشعوب وفنائها، أين هم السوريون؟ أين اليونانيون؟ في بعلبك كان هناك خمسون ألف نسمة، لم يبق منهم سوى أكواخ متداعية قليلة.

وبهذا تتدرج اللوحة بين المشرق والقاتم من الألوان، وخلف جمال سوريا الطبيعي بسهولها وجبالها ومياهها وجمالها العمراني، مسجد الأموي، قلعة حلب، خان أسعد باشا، البيوت العريقة، مسجد العادلية في حلب. ثمة لوحة أخرى. تثير الأسى وتتمثل في بؤس التعليم، “فباستثناء ألف ليلة وليلة بطبعته المصرية وكتب بعض الشعراء الشعبيين”؛ لا يوجد أي كتب. لذا، كانت الأسئلة التي يطرحها الأعيان والمشايخ والوجهاء حول أمور المسيح وأمور المرأة والكون، محض “أسئلة أطفال“.

ويقف الرحالة -أحيانًا- وقد استغلق عليه الفهم وعزّ عليه الجواب، أمام بعض المظاهر، وقد أثار هؤلاء الناس حيرته، فبدلًا من أن يوجهوا عنايتهم إلى علاج الطاعون الزاحف نحوهم، يقضون الوقت وهم يفكرون في دوران الأرض وفي كيفية تولية المرأة، بعد أن سمعوا بوجود ملكة في أوروبا تدعى الملكة فيكتوريا. يحيط بهم ما أسماه “التعصب الراسخ”. وهو لا ينفك عن المقارنة بين سوريا وتاريخها القديم: “كم يتناقض الوضع الحالي لسورية مع تلك الفترة التي كان فيها العرب ورثة الإغريق في العلم الرفيع”!

وبهذا يرصد الرحالة الأحداث التي امتدت بين الأعوام المذكورة والمتعلّقة بالهويّة الاجتماعيّة والثقافية للسوريين. من خلال لغة مشوبة بالدهشة تتجاوز التوثيق والوصف، إلى هاجس يتعلق بالبحث عن الذات عبر الآخر.

وفي الثالث من آب/ أغسطس 1843، بعد ضياع ثلاث سنوات في فصول حكاية أشبه بحكايات ألف ليلة وليلة، يقفل عائدًا إلى بيروت ومنها إلى إسطنبول، تاركًا لنا لوحة لا تختلف عن الحاضر، لوحة ينبثق منها النار والدخان، حيث يمكن أن تشتعل المعارك الدامية، بسبب الخلاف على صيد الطيور. في مرآته نرى أنفسنا في مرآة الآخر. مدركين أن الآخر يتعرف إلى ذاته من خلالنا.

الرحالة الذي لم يذكر اسمه ولا هدفه من الرحلة. يظهر ككائن خرافي، لكن كتابه يدل على مروره بحكايتنا. الحكاية التي لم تنته فصولها بعد، فالناس ما زالوا يموتون فيها لأوهى الأسباب. وقد ولوا أبصارهم صوب ماض زال، لاهين عن الطاعون الذي يمر قرب نوافذهم.

* السوريون المعاصرون: ملاحظات حول المجتمع المحلي في بيروت ودمشق وحلب وجبل لبنان وجبال الدروز، في الأعوام 1841-1842-1843.

ترجمة: خالد الجبيلي

سلسلة: أدب رحلات

ط: 1 (دمشق: دار نينوى، 2018)

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق