هموم ثقافية

المثقف أو الكاتب الرَّجيم

من الواضح أن مَن يعرف أبعاد الكلمة وآثارها حق المعرفة، ويخشاها ما دام إيقاعها أو وقعها لا يستجيب إلى هواه، هو كل من جعل من نفسه حاكمًا مطلقًا بأمره. ذلك جنس من البشر عرفته بلدان العالم المختلفة منذ أقدم العصور، لكنه اليوم أكثر انتشارًا في مشرق عالمنا العربي وفي مغربه. ولعل هذا ما يدفع هؤلاء، ما إن يستولوا على مقاليد السلطة، بالخديعة أو بالقوة أو بالوراثة، إلى العمل على ترويض وتدجين كل من يتقن فنًا من فنون الكلمة، ترغيبًا أو ترهيبًا، بوسائل شتى. فهم (أي الحكام) يعرفون أن كلمات من تمكنوا من ترويضهم وتدجينهم هي من الخفة بحيث تذروها الرياح، كما تذري الهشيم، فلا يبقى منها ومنهم شيئًا. لكنهم يعلمون يقينًا ولا يروق لهم مدى سحر الكلمة الصادقة غير المهادنة ووقعها على الناس، حين تعبّر عن مشكلات وجودهم على صعد مختلفة. ويدركون في الوقت نفسه أن هذا الوقع وهو يتراكم، سوف يستحيل في يوم قريب غضبًا وقوة جامعة وجامحة ودافعة إلى التمرد فالثورة. ولذلك لا يجدون مناصًا لهم من الحيلولة دون وصول كلمتهم، والعمل على وأدها بطريقة أو بأخرى من خلال إغلاق أبواب المعاش في وجه كتابها، أو سجنهم، أو نفيهم، وصولًا إلى قتلهم حتى في منفاهم، برهانًا على أن يد الحاكم يمكن أن تطالهم حيثما وجدوا، ودرسًا، إن نفَع الدرس، لكل من تسوّل له نفسه أن يحذو حذوهم، في الخروج على طاعة الحاكم والخنوع لإرادته دون أي نقد أو اعتراض.

لا يجد الحاكم حرجًا في سلوكه هذا، ولا يحول بينه وبين إقدامه على سلب ناقديه حريتهم والتضييق عليهم، بل حتى قتلهم لمجرد تعبيرهم عن عدم رضاهم عما يفعله، وقوفُ الحكومات أو المنظمات أو المؤسسات الإعلامية أو النخب الاجتماعية متسائلة أو معترضة أو شاجبة، مثلما لا يعبأ، وهو يفعل ذلك، بأي عقبة، دستورية أو قانونية أو أخلاقية. فإما الإنكار مع الاستنكار الغاضب من التطاول عليه والجرأة في توجيه الاتهام إليه، أو التعلل بواحدة من التهم الجاهزة دومًا: “التآمر مع القوى الأجنبية”، “ثبوت التورط في الأعمال الإرهابية”، “إضعاف ووهن نفسية الأمة”، “خيانة الوطن والتعاون مع أعدائه”، “نشر أنباء كاذبة”.. إلخ. تهمٌ يقرر الحاكم أو القاضي الذي يعمل بإمرته ثبوتها، من دون أي دليل أو أدنى قرينة، مما لا يمكن لأي عقل، مهما بلغت سذاجته، أن يقبل بها أو يصدقها، ويصدر بها حكمًا قطعيًّا لا يقبل مراجعة أو استئنافًا.

في عصرنا الذي لم تعد تجدي فيه الرقابة على الكلمة أو مصادرتها أو الحيلولة دون وصولها، نتيجة تطور وسائل التواصل والنشر على نطاق واسع، والذي لم يعد كذلك يتيح للأنظمة الاستبدادية على اختلاف أشكالها وتكويناتها أن تمارس انتهاكاتها لحرية التعبير، لا تزال هذه الأخيرة تتوهم قدرتها على منع هذه الصحيفة أو ذاك الكتاب من دخول أراضيها، أو من تواجده في معرض تقيمه دوريًا للكتاب، في الوقت الذي بات بوسع أي مواطن في أي بقعة من بقاع العالم، الحصول على أي صحيفة أو كتاب في طبعة إلكترونية، خلال دقائق معدودات. وربما كان وعي القائمين على هذه الأنظمة بذلك على وجه التدقيق، هو ما بات يدفعهم اليوم إلى عدم الاكتفاء بسجن أو نفي نقادهم، بل إلى أن يتغوَّلوا أكثر فأكثر وصولًا إلى ممارسة أعمال لا يمكن وصفها إلا بالبلطجة، حين يقومون باستدراجهم إلى فخ ينصبونه لهم، يسمح بإزاحته من المشهد كليًا، إخفاء أو قتلًا، في سريّة مطلقة. حدث هذا في الماضي، ولا يزال يحدث اليوم. كما لو أن وعي سادة هذه الأنظمة بجرائمهم وبقصورهم، يجعلهم أشدَّ حساسيّة لأيّ كلمة تفضح سوأتهم وتعْرضَهم عراة أمام ضحاياهم، فلا يجدون مفرّا، وقد استنفدوا كل وسائل قمعها ومنعها ومصادرتها وسجن كاتبها، أو نفيه، من أن يبادروا إلى قتله.

كل الذين واجهوا هذا المصير من الكتاب أو الإعلاميين كانوا يعرفون فداحة الخطر المحيق بهم، بسبب ما يكتبون بالكلمة أو بالصورة. لكنهم استمروا، لا لأنهم لا يخافون؛ بل لأن خوفهم كان يتلاشى في ممارستهم اليومية للكتابة بحرية في منفاهم، بعد أن حيل بينهم وبين ممارستها في بلدهم. لا سلاح لهم سواها، وهي أثمن ما بقي لهم من عزاء في وجودهم؛ إذ، ما الذي يسع من لا يملك سوى عقله الحر وقلمه، كي يقول كلمته في وجه الطغاة، أن يفعل في مواجهة من يسعه أن يحرِّكَ ضده قوى دولة بأكملها، أيًا كان حجم هذه الأخيرة؟ أو ما الذي تستطيعه الكلمة في مواجهة الرصاصة، أيًا كان الشكل الذي تتخذه هذه الأخيرة؟

قد يبدو السؤال شديد السذاجة. وربما كان بالفعل كذلك. لنطرح إذن سؤالًا ساذجًا آخر: ما الذي يبرر أو بأي حق يستطيع من يملك القوة أن يقتل أو أن يحكم بالسجن أو بالنفي أو بالإعدام -بأي صورة من الصور- على من يخالفه الرأي، وباسم ماذا؟

ليس الأمر جديدًا في الثقافة العربية التي عرفت شهداء الرأي منذ أقدم العصور، ولم يكن ابن المقفع أول شهيد جرأة لسانه وصراحته، وضحيّة أبي جعفر المنصور الذي لم يغفر له ما كتبه في “رسالة الصحابة” من نصح في ممارسة الحكم مبرِّرًا، فألقى به بين يدي والي البصرة آنذاك، سفيان بن معاوية، الذي كان ينتظر فرصة ينتقم بها من ابن المقفع، فقام بتنفيذ ما أراده الخليفة، وأشرف على تقطيع ابن المقفع إربًا. فقد تلاه من بعد كثير، ولا سيما في عهد المأمون ثم المعتصم في العصر العباسي، خلال “محنة خلق القرآن” التي كان أحد أشهر ضحاياها محمد بن نوح ونعيم بن حماد اللذين قتلا في السجن، وأحمد بن حنبل الذي عانى مرارة السجن والتعذيب.

كما لو أن هذه السلطة المطلقة -التي لا يمكن امتلاكها إلا بالخدعة أو بالقوة أو بالوراثة- تمنح من يملك ناصيتها ثقة لا حدود لها بالنفس، لا تجعله يؤمن بقدرته على كل شيء فحسب، بل تدفعه إلى أن يجعل من المواطنين في عهده رعايا، ومن الوزراء موظفين بإمرته، ومن المثقفين والإعلاميين دعاة لا همَّ لهم سوى التصفيق له والتسبيح بفضائله. فكيف يمكن، والحالة هذه، أن يكون هناك مجال لكاتب حرٍّ يخرج على “الإجماع” الذي صنعه “القائد الأعلى”، وأن يكتب كلمة لا يمكن لها إلا أن تكون نشازًا؟

ألم يتحدث أحدهم مؤخرًا عن “المجتمع المتجانس”؟

لا وجود للكاتب “الرَّجيم”، أو للكلمة “الرَّجيمة” إلا في ظل “السلطة المطلقة” التي هي بكل وضوح “مفسدة مطلقة”. كما قال، قبل أكثر من قرن، المعلم عبد الرحمن الكواكبي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق