كلمة جيرون

المفاوضات

في نهاية الحرب العالمية الثانية، طالب الرئيس الأميركي هاري ترومان علماءَ الذرة الأميركيين بالإسراع في إنجاز صنع القنبلة الذرية، لا لتأنيب اليابان وإلزامها على الاستسلام غير المشروط، وإنهاء الحرب في الشرق بعد أن انتهت في أوروبا، فحسب، وإنما أيضًا لكي يدخل ترومان مؤتمر بوتسدام الذي شارك فيه الحلفاء الآخرون، متسلحًا بالقنبلة الذرية، وبالتالي ليكون بموقع الطرف الأقوى والشريك “الذري”، مما يجبر ستالين على اللين والتراجع وقبول بعض المطالب الأميركية غير العادلة، بل غير المعقولة. وهكذا أكد ترومان أن قوة الوفد المفاوض ترتبط ارتباطًا وثيقًا بظروفه وخلفياته، وبقواه الحقيقية التي يُعبّر عنها.

ينطبق هذا المثال على كل محادثات بين طرفين أو خصمين؛ فقبل عملية التفاوض، وخلالها، على كل طرف أن يجمع أكبر قدر من المعلومات عن الآخر: موقفه، نقاط ضعفه وقوته، “دولته” العميقة، قواه المادية والعسكرية والبشرية، عناصر ثقله، والكثير حول المال والاقتصاد والموارد.

مفاوضات “تبويس الشوارب” ليست مفاوضات، إنما هي تقليد قبلي صرف، لا علاقة له بالسياسة ولا بالثورات ولا المجتمعات المُطالبة بحريتها، ومفاوضات النتائج المُسبقة ليست مفاوضات، بل هي لعبٌ على الشعوب وسخرية منها.

ما يمكن أن يجري، بين المعارضة السورية والنظام، ليس حوارًا ولا نقاشًا ولا محادثات أو تبادل آراء، هو فقط مفاوضات بين خصمين، طرفين متناقضين كليًّا: واحد يُطالب بإعلاء شأن الكرامة وتعميم الحرية، وآخر يريد تدمير وسحق الكرامة وكبت الحرية.

على من يدخل المفاوضات أن يضع نصب عينيه أن يجني من ورائها أكثر مما يمكن أن يجني في حالة عدم دخولها، وإلا؛ فالأفضل أن لا يدخلها، و”قال: عنترة يُحارب ألفًا… فأجابه: لأن وراءه ألفًا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق