هموم ثقافية

قراءة ما كنَّا قرأنا

أحيانًا، إعادة قراءة ما كنَّا قرأنا في الماضي، وما كان قد أبهجنا وأعجبنا وحرصنا على الحديث عنه في كلّ جلسة أو لقاء، وتقصّينا -آنذاك- أبلغ المفردات والتعابير والنعوت، للحديث عمَّا ملأ أرواحنا غبطة من النصّ، وأترع ذائقتنا بالمتعة، وانتزع انبهارنا به. أحيانًا، لا نجد فيه ما وجدناه، ولا نشعر في نصّه بما شعرنا به؛ فنُصاب بالخيبة.

خيبة، تُثير تعجُّبَنا منَّا، من طفولتنا أو مراهقتنا رُبّما، رغم أنَّا لم نكن -آنذاك- أطفالًا أو مراهقين. كان البعض منَّا يكتب، والبعض يرسم أو ينحت، والبعض يُخرِج والبعض يُلحّن أو يعزف ويُغنّي. وكلُّنا -كنَّا- ننشر، ونعرض، ونُقيم الأمسيات. وكان الكلُّ يدخل في نشاطات وحوارات وسجالات، بل وتنظيرات تتعلّق بالأدب والفكر والفنون، مستشهدين بأعمال كبار الكتَّاب والفنَّانين، العرب منهم والأجانب.

إذن، هل هي خيبةٌ تثير تعجُّبَنا -اليوم- من إعجابنا الماضي، وما استحوذ علينا موضوعًا وطرحًا ورؤيةً ومبنى فنّيًا؟ وبصيغة أخرى، هل كنَّا واهمين -حينذاك- إزاء بعض الأعمال الفكريّة والفنيّة والأدبيّة.. فبدا لنا أنها رائعة، عميقة، بديعة -شكلًا ومضمونًا- بتعبيرنا الذي كنَّا نحرص عليه دومًا في كلّ حوار؛ في حين أنها -كما نراها اليوم- ليست كذلك؟

هل تغيَّرتْ موضوعاتُ اليومِ عمّا كانت عليه بالأمس، سواء أكانت اجتماعية أو سياسيّة أو نفسيّة أو ترفيهية؛ بحيث لم نعد نرى ما كنّا نرى، ولا نحن بتنا نهتمُّ بما كنَّا نهتمُّ، وبتنا نعاني غير ما كنَّا نعاني منه؟ ربَّما. أم تُراه ليس لكلّ ما سبق، بل لأنَّ مياهًا كثيرة جرت في حيواتنا، فتبدَّلنا وتغيّرنا -نحن أنفسنا- وكذا تغيَّرتِ الأحلامُ، وتغيَّر ما كنا نتطلّع نحوه، ونطيل النظر فيه، ونأمل في الوصول إليه، ونثق بإمكان تحقيقه؛ دون حدّ أدنى من تشكّكٍ -في دواخلنا- أو من ظلالٍ من تردّدٍ؟

ما يستدعي التساؤلات السابقة كلّها، أن أعمالًا أدبية (مثلًا، في الرواية والشعر) حظيت ذات يوم باهتمام القرَّاء والنقّاد والدارسين والإعلاميين، وكُتب عنها ما كُتب، وانشغلت الحياة الثقافيّة بها على نحو ملحوظ؛ وإذا ما عُدنا -اليوم- إلى قراءتها مرة أخرى، فإننا لا نجد فيها ما وجدناه في القراءة الأولى قبل سنوات مضت، لا من حيث درجة العمق، ولا من ناحية وفرة جماليات التعبير، ولا من جهة تخليق الشخصيَّات، ولا من باب مهارة البناء الفنّي! وإنّما تظهر لنا مغلوبةً بالموضوعات والمضامين والطروحات “ذات الوزن الثقيل” التي انشغلت بها الحياةُ السياسية، فشغلت -بدورها- الحياةَ الثقافيّة أيضًا.

ربما يُقال: المعاودة هي المسؤولة عن زوال الدهشة أو برودة الشعور أو عاديَّة الوقائع والأحداث، أو عدم تنوع السرد وجدَّته؛ سواء في الأعمال المرئيّة أو المسموعة أو المقروءة. وهو ما نلمسه في تجربتنا الحياتيّة العامة، حين نزور مكانًا زرناه قبلًا، أو نتناول ما كنّا قد تذوَّقناه، وغير ذلك الكثير مما نعود إليه مرّة أخرى.

لكنَّ رأيًا قد يُطرح: ألسنا -من خلال تجاربنا أيضًا- نعاود قراءة قصائد من أزمان ماضية، أو أخرى أقدم منها، فنستمتع بها ونطرب لها ونشدو معها، كما لو كانت المرّة الأولى؟ والحال عينه مع أعمال روائية وقصصيّة وعروض مسرحيّة وسينمائيّة، بل وحتى رياضيّة.. وغيرها؟

والآن، كيف لنا أنْ نتنبَّأ بأنَّ هذا العمل يتضمّن أسرارَ مُكوثهِ في الذاكرة، واستمراره -حيًّا غضًّا- في الوجدان، يدعونا إلى قراءته أو مشاهدته أو الاستماع إليه المرة بعد المرة؛ وأن ذاك العمل ستُطوى صفحته وذكراه وحضوره، بعد أن تَطوي الأيَّامُ الأيَّامَ على نشره أو عرضه، وتعدو السنون؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق