مقالات الرأي

ما بين “أسدي إيران”، و”أسد سورية”

قد تكون من غرائب السياسة المثيرة للدهشة، أن تراهن واشنطن على عقلانية تراعي المصلحة العامة لدى نظام الأسد، حينما تهدده بالحرمان من إمكانية تقديم الأموال لإعادة إعمار بلده، التي دمّرها بنفسه. إذ يبدو أن الأميركيين، وفق هذا الطرح، ينظرون إلى الأنظمة في منطقتنا، من منظور تجاربهم المحلية، التي تُحكَم الصراعات فيها، بصندوق الانتخاب والرأي العام.

فحديث وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، مؤخرًا، عن شروط أميركا للمساهمة في إعمار سورية، توحي برهان على حسٍ بالمصلحة العامة، غير موجود فعليًا لدى نظام الأسد. فقادة ورموز هذا النظام، تحكمهم المصالح الشخصية والفئوية، فيما يشبه المافيا. ولا يوجد صندوق انتخاب يردعهم، ولا رأي عام يخشونه.

ففي حين تجاهد روسيا حثيثًا للحصول على دعم غربي لإعادة إعمار سورية، وتعمل بشكل مكثف على ضمان بقاء تركيا ضمن “ترويكا أستانا”، لضمان الدفع باتجاه استقرار الأوضاع وتوقف الحرب.. نجد أن بشار الأسد يستخدم كلمة “مؤقت”، لوصف اتفاق إدلب، وسط ازدياد المخاوف من مساعي النظام والإيرانيين لإفشال الاتفاق، عبر التحرش بالفصائل المعارضة هناك.

وفيما توحي مؤشرات عدة، إلى فراغ خزائن المركزي بدمشق، يظهر جليًا أن نظام الأسد وحليفه الإيراني، بالتحديد، يدفعان باتجاه استمرار الصراع المسلح، تحت عنوان “استعادة كل شبر من سورية”، حتى لو كان ذلك يعني سنوات أخرى مدمّرة من الصراع.

قبل عقدٍ ونصف من الزمان، كان الخبراء الروس يروّجون لنظرية شهيرة، مفادها أن أميركا محكومة بالحرب. فكلما هدأت حرب، عملت أميركا، بعد بضع سنوات، على إنعاش أخرى، لتحريك اقتصادها ودعمه. وبعيدًا عن مدى دقة هذه النظرية، يبدو أنها تنسحب بصورة معدّلة، على أنظمة في منطقتنا، في مقدمتها، نظامي الأسد والملالي في إيران. فهما محكومان بالصراع، لأسباب بنيوية. فالطبيعة الاستبدادية، والبنية المافيوية داخل تركيبة النظامين، تتطلب وقودًا دائمًا للصراع، لضمان الاستمرارية.

فها هي إيران، وفي أوجه أزمتها مع الولايات المتحدة الأميركية، حيث تشكل أوروبا ثقلًا رئيسيًا في التخفيف من وطأة الضغط الأميركي عليها، تخطط لتفجيرٍ يستهدف المعارضة الإيرانية قرب باريس، في تجمع ضخم، ضم شخصيات دولية وإقليمية بارزة.

الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، فسّر ذلك بناء على نظرية صراع الأجنحة، داخل النظام الإيراني. فالرئيس الفرنسي لم يستطع “هضم” فكرة أن تستعدي إيران، الأوروبيين، في هذه الظروف الدقيقة التي تمر بها. بطبيعة الحال، فإن المؤامرة التي اتُهم استخباراتي إيراني، “أسد الله أسدي”، بتدبيرها، لا تعبّر عن حسٍ بالمصلحة العامة للإيرانيين. هي دون شك، تعبّر عن مصالح فئات معينة في إيران. فئات استمرأت حالة الصراع مع الغرب والإقليم، لتكون ركيزة لتبرير نهبها لموارد الشعب الإيراني، تحت عنوان مكافحة “الشيطان الأكبر”.

“أسدي إيران”، ومن وجّه له الأوامر في طهران، لا يختلف كثيرًا عن “أسد سورية”. فالأول تعبير عن مافيوية تريد إبقاء الشعب الإيراني أشبه بالرهينة التي تُمارس “البلطجة” عليها تحت عنوان حمايتها. والثاني تعبير عن ذات العقلية والغاية أيضًا. فتحت عنوان “المقاومة والممانعة”، تمّ تدمير سورية ماديًا واجتماعيًا. ولم يكتفِ “أسد سورية”، بعد.

وكما يتم الحديث في أوروبا، عن صراع أجهزة، داخل إيران، حيث إن الاستخبارات، لا تخضع لـ روحاني، فيما يبدو أن خلافة خامنئي مؤهلة لتكون هامش صراع خطير في تاريخ هذا البلد.. يتم الحديث أيضًا، حسب مصادر استخباراتية غربية، عن صراع أجنحة داخل “قصر الأسد” ذاته، بين أجنحة محتسبة على إيران وأخرى على روسيا، وثالثة على “الأسد”، ربما.

إنها أنظمة محكومة بالصراع. صراع في الداخل، على المكاسب وعلى الكراسي والمناصب، وكذلك على الموارد. وصراع في الخارج، لتبرير إبقاء الشعوب تحت قبضة حديدية من الاستبداد، بذريعة “العدو” الخارجي الذي أصبح على الأبواب.

وكما خاطرت أجنحة داخل النظام الإيراني بعلاقة حيوية للغاية مع أوروبا، سبق أن خاطر الأسد بسورية كلها، وأطلق متشددين من السجون، بعد أن قتل أو غيّب قادة الحراك السلمي من المدنيين، كي تتحول سورية إلى ساحة لحراك “الجهاديين”، ليبرر بذلك قمع السوريين أمام العالم، تحت ذريعة مكافحة “التطرف”. كيف يمكن للأميركيين الرهان على عقلانية تراعي المصلحة العامة لدى نظام الأسد؟! إنها بالفعل من غرائب السياسة المثيرة للدهشة!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق