تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

احتفاء النظام بالمعابر

لافتةٌ هي حالة الهرولة السرية والعلنية التي تشهدها خشبة مسرح النظام في دمشق، فهناك موجة فتح المعابر مع تل أبيب في القنيطرة، واحتفاء تل أبيب بوصول قوات الأسد مجددًا لتحمي الحدود، ولا نقول مع الجولان، لأنها آخر هموم النظام، والمطلوب تنفيذه إسرائيليًا، كما بات معروفًا، أن يكون الأسد وحده ضامنًا للهدوء، وفتح معبر نصيب مع الأردن التي تتعالى بعض الأصوات فيه لتقديم الاعتذار للأسد، لأنه لم يقم بقتل السوريين بشكل مريح، أيضًا كانت هناك محادثات نشطة قادمة من القارة الأوروبية ممثلة بنواب الأحزاب الفاشية من السويد وألمانيا، وتأتي في النسق ذاته الضغوط الروسية والعربية على اللاجئين السوريين وعلى المجتمع الدولي لإخضاع السوريين. فما أهداف هذه الحمّى السياسية التي لم تبدأ بلقاء الوزير البحريني مع وزير خارجية النظام، ولن تنتهي مع زيارة وزير الخارجية العراقي إلى دمشق؟

من الواضح أن النظام تمكّن من تحقيق اختراقات عميقة لواقع الحال، عبر أكثر من بوابة، أولها الحدود الجغرافية في الدبوسية والبوكمال ونصيب، ويتلوها نداءات رسمية تطالب بارجاع مقعد سورية في الجامعة العربية للنظام، وعلى هوامش الاختراقات الجغرافية، تأتي الاختراقات السياسية والدبلوماسية، وعمليات التطبيع الاقتصادي والأمني، على غرار التنسيق العراقي والأردني والمصري واللبناني مع النظام، الذي تدفع عمليات الإسناد الروسي والإيراني به إلى قواعد ومسلمات، تحاول فرضها منذ سبعة أعوام.

هذه الوضعية أخذت تفرض طبيعتها الجرمية على زخم الثورة التي شكّلت خطرًا أضعَف النظام وأبهت صورته بصورة واضحة، حيث يستمرّ واقع التهجير والدمار والخراب، لتحقيق رضوخٍ أراده النظام المجرم لكل المجتمع السوري، مما شكّل إحراجًا لحالة الانصياع التي أبداها فريق من جمهور النظام، فالزيارات الرسمية والحوارات التي قام بها أكثر من طرف، لقصر الطاغية في دمشق، بمستويات مختلفة، أخذ بعضها أقنعة السياسة والأدب والفن والثقافة والإعلام، لا يمكن النظر إليها ببراءة، فكان واضحًا أيّ لوبي يواجه السوريين، وأيّ جبهة متراصة يُعارك، وهذا ما عبّر عنه السوريون منذ بداية الثورة، في معظم اليافطات والهتافات.

ما هو أكيد أن تبرّم العديد من أنظمة الحكم العربية ناجمٌ عن الحالة المستمرة للثورة السورية، فهي التي كانت تأمل أن يواصل النظام وعصاباته تنفيذ ما تبقى من الجريمة بسهولة ويسر؛ الأمر الذي سيحررها من كل تبعة أخلاقية وإنسانية، وبهذا تتخفف من أعباء ما سببته الثورة، لكنها لن تتخفف من أعباء الضحايا التي ستمشي، من قوافل المعابر إلى حضن النظام، على أجساد سوريين أزهقت أرواحهم بمئات المجازر، في كل الاتجاهات التي يفرح فيها العابرون إلى قصر الطاغية.

موسكو وتل أبيب، مع عواصم عربية من عمان إلى بيروت وبغداد، يُكثّفون الاجتهاد لاستثمار المعابر الجغرافية والسياسية، للإيهام بأن كل شيء في سورية سيغدو على ما يرام، وأن القصة ستنتهي بإعادة السيطرة وفق الرؤية والشروط الأسدية – الروسية الإسرائيلية، متناسين، بعد سبعة أعوام، أن الأمر أصبح واضحًا، حين فقد النظام وزنه، قبل أن يعاد تحميله بأثقال القوة والجرائم لامتصاص الثورة. التواطؤ واضح وجلي في وضع المعابر لممارسة الضغط، والمساعدة في تشديد الحصار على السوريين، لإرغامهم على مغادرة موقف إزاحة الطاغية.

ينطلق الجميع تقريبًا في معابر توصل إلى النظام، مع بذل جهود لتلميع وتحديث وتفخيم الطاغية، جميعها تلتقي عند خط البداية الذي انتفض عليه السوريين، وهي تعطي للمسائل أبعادها وأسسها السياسية والتاريخية، متناسين في الجانب الآخر أن النظام ساقط في هوة المجازر والدمار وإرث القتل والجريمة، ومتناسين أيضًا أن الذي ينفصل عن قضايا الشعب السوري بالطريقة التي نشهدها، ويدير اللعبة بمنطق التاجر الصغير والرخيص، غير مدرك أن الصراع أعقد بكثير من ابتسامة عناق وزيرين للقتل أو أكثر، وأبعد من توزيع ابتسامات ومصافحات وخطابات عن دفء العلاقات وحفلات شواء مشتركة لأجساد الضحايا والأوطان كلها، لن يستطيع أن يفتح معابر توصل إلى عقل الإنسان وقلبه، بعد فرحة المعابر التي تأتي بعد أفراح إقامة المقابر، بطول البلاد وعرضها!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق