أدب وفنون

(تذكرتان إلى صفورية) لسليم البيك: حكاية الشتات الفلسطيني

في إطار دعم الأسماء الروائية الشابة ومواكبتها، وتمكين قدراتها الكتابية والإبداعية، أطلق الصندوق العربي للثقافة والفنون برنامج (آفاق) لكتابة الرواية في العام 2014، وقد أقيمت الدورة الأولى بالشراكة مع محترف نجوى بركات، بينما أشرف الروائي اللبناني جبور الدويهي على الدورتين الثانية (2015) والثالثة (2016). حيث أغنى الفائزون بها ربوع المكتبة العربية بخمس وعشرين رواية متميزة من تسعة بلدان عربية.

في عمله الروائي الأول (تذكرتان إلى صفورية)، الصادر عن دار الساقي (بيروت- 2017)، يترحل بنا الكاتب والروائي الفلسطيني سليم البيك، صوب ربوع بلده الحُلم/ “فلسطين”، وذلك عبر سردٍ شفيفٍ مَحبوكٍ بإتقانٍ، ومُفعمٍ بالحنين والذكرى ونار الاشتياق. غير أن من أهمّ ما يُثير في هذا العمل السردي، مجيئَه مشحونًا بكثير من الإشارات اللماحة حول وضع فلسطين بشكل عام، ووضع الذات الفلسطينية المنشطرة/ المغتربة في بلاد المهجر بشكل خاص. ومن ثمة، كان الخط السردي للعمل برمته يُراهن على المزاوجة بين السيري والتخييلي، وكأن سليم البيك بصدد كتابة سيرته -سيرة المنفى والحب والشتات- في قالبٍ روائي مشهدي ملحمي، ليس من باب البحث عن الذات فقط، وإنما أيضًا من باب البحث عن السامي في الواقع الذي صارت فيه فلسطين حلمًا أقرب إلى الوهم، كأن فلسطين وهم. وهذا ما يؤرق (يوسف) بطل الرواية، فالبلدان التي يعبر منها وإليها باتجاه مدينة صفورية، تستهلك وجوده الفيزيائي ولا يجد فيها فلسطين. كأن هناك من يلتهم فلسطين؛ من يلتهمه هو. ومع ذلك فهو لا يستسلم، فبقدر ما يقتله حلمه بفلسطين في رحلاته يُحييه؛ إنه موتٌ تعقبه ولادات جديدة مستمرة.

جاءت الرواية في أربعة مشاهد رئيسيةٍ، هي (مارا بتولوز، مارًا من اليرموك، مارًا مع ليا، ومارًا إلى صفورية). ولعل الدلالة في الرقم “أربعة” قد تشيرُ إلى فصول السنة، حيثُ يتناول كل مشهدٍ/ فصلٍ على حدة من سيرته/ سيرة الشتات، فضلًا عن دلالات أحرف الجر، فمن الـ (باء) مرورًا بكل من (من) و(مع) وصولًا إلى (إلى) حيثُ النهاية. والروائي في كل ذلك يكتب بحساسية شخصية، كأن الوجود بأكمله لا يسعه، بل هو يبحث عما خلف الوجود، حيث حمى الرواية عنده من حمى جرح فلسطين، وهذا ما يقوي الصراع عنده ما بين الحلم والواقع.

تغريبة النزوح اللا نهائية

من أبرز ثيمات (تذكرتان إلى صفورية) احتفاؤها بالمكان، بدءًا من صفورية في العنوان الرئيس للرواية، مرورًا بتولوز ومخيم اليرموك في عناوين الأقسام الفرعية، وصولًا إلى فرنسا وسورية والإمارات ودبي والجليل والناصرة ونابلس وأماكن أخرى عديدة. ولعل الاحتفاء هنا يأتي في الصيغة الوصفية الدقيقة للمعالم، جنبًا إلى جنب مع الذكريات التي لا تندمل كجرحٍ في ذاكرة المُهاجر/ المنفي قسرًا؛ العينُ تلتقط كل ما من شأنه أن يثير فضول القارئ، وكأننا هنا في رحلة بحث واستكشاف -لا أكثر ولا أقل- عن كائنات اقتلعت من أرضها/ جذورها/ انتمائها. هي إذن حكاية/ رحلة نزوح لا نهائية، وما الإهداء (إلى ذكرى جدي) سوى المدخل أو الشيفرة الوحيدة لفك ألغاز هذا السفْر المليء بالوجع، وجع الإنسان الفلسطيني؛ “يقول أبوه بأن له اسم أحد أجمل الأنبياء، أو أجملهم، لم يعد يذكر. وبأنه، كالعديد من أبناء عمومته، سُمي يوسف تيمنًا باسم جده، قائد المجموعة الصغيرة من الفلاحين المقاتلين ببنادق الصيد التي كانت لديهم، في المعركة التي احتلت فيها إسرائيل القرية عام النكبة، وتبين لاحقًا أنها احتلت كل الشمال الفلسطيني، أو كل البلد كما يعني ليوسف احتلال تلك القرية الصغيرة في الجليل، المجانبة لمدينة الناصرة، صفورية، أو عاصمة فلسطين”. فنرى سليم البيك، وهو ينزع قشرة الصلابة ليكشف تحتها عن عالمٍ مهترئٍ خانعٍ؛ مستسلم. هل نحنُ مستعدون للدفاع عن فلسطين ضد مغتصبٍ يمحو ذاكرتنا؟ وتحت أي رايةٍ من رايات الدفاع: التمدن؟ التوحش؟.

ثمة ولعٌ بالمكان لا يَخفى على كل متتبعٍ لمسار السرد، وهو ولع وانجذاب له ما يُبرره، خاصة إذا ما كانت هذه “السرديات الكبرى” بتعبير بول ريكور، تُعلن عن انتمائها إلى الأرض الفلسطينية من جهة، ثم صدامها من جهةٍ أخرى مع نزعة الاحتلال الإسرائيلي، وهنا، يبدو المكان مُساهمًا في عملية تبئير السرد، بل هو المحرك الأساس للعملية السردية منذ البدء حتى المنتهى، ولا مناحة في القول، إن سليم البيك حين يستحضر المكان بتلك الحميمية والحنين، إنما لرغبته في منح روحٍ للرواية، وقدرة على الذوبان الجواني في تمثلاتها وتجلياتها بحماسةٍ عنيفة للعيش. فمن وصفٍ لنُسمه (لينًا)، إلى وصفٍ قاسٍ للحيوات البائسة، إلى مكانٍ وتصميمٍ قويّ للعيش فيه، فنرى الحياة الشعبية، ومدى الكلفة والجهد الذي تبذله شخوص الرواية لتذوق طعم الحياة، كي تبعث فينا الدفء الإنساني، وتثير انفعالنا في هذا العالم الناقص الذي يبدو لئيمًا في تعامله مع المكان، مع فلسطين.

العودة إلى فلسطين

بمزيدٍ من الرغبة والإصرار والتصميم، تبدأ الرحلة العكسية ليوسف بطل الرواية إلى فلسطين، حيث منزل أهله في قرية “صفورية” التي غادرها جَده قبل سبعين عامًا، وهو ما مثل الحلم الذي طالما راوده، لكن هيهات، فالعودة إليها ستكون بجواز سفر فرنسي وعبر مطار إسرائيلي “مطار بن غوريون”، وكأننا هنا وجهًا لوجه أمام أسئلة قلقةٍ وملحةٍ تخص الهوية الفلسطينية ومحاولات طمسها، رغم كل ذلك نجد أن الحب هو المنتصر الوحيد في هذه المعادلة الصعبة، إذ تشتري “ليا”، حبيبة يوسف، تذكرتيْ عودة من فرنسا إلى فلسطين، تفعل ذلك دفاعًا عن الذات (الأنا-المكان) ضد عالمٍ أصم أعمى وأخرس، رغم تحضره، عالَمٍ بَدَا في الرواية أخرق، وحشيًا وعنيفًا، غير أن “ليا” ظلت تثقب عين وقلبَ هذا العالَم المتوحش، فالتذكرتان تُشكلان نقطة انطلاق في عودة للأصالة الإنسانية ضد الشقاء والتغرب الاجتماعي والسياسي والثقافي، وهو ما يجدد ويؤكد حربَها ضد وحشية العالم في افتراسه الذاكرة والمكان الفلسطيني.

رواية السيرة الذاتية

تتقاطع سيرةُ يوسف مع السيرة الذاتية للمؤلف –كما أشرنا سالفًا- فهل نحن أمام سيرة روائية أم رواية سيرية؟ وما الفرق بينهما؟ الأمر سيّان، فهذا العمل يحفل بتقاطعات مهمة سواء على المستوى الأجناسي أو على مستوى التقابلات التي يُنتجها المتن كتأتٍ نصي، والإشكال يتجلى ههنا في كيفية تسريد هذه الفوارق فنيا. مع هذا فالروائي سليم البيك لم يكتب حكاية مسلية. بل كتب مأساة ضمير؛ مأساة فلسطينه دون أن يدفع بحقده وغضبه كحاملٍ للرواية، فلا نقرأ اعترافات أو شهادات، وإنما نقرأ أثرًا أدبيًا وضَعَنا أمام التزامات واختباراتٍ إنسانية.

رواية (تذكرتان إلى صفورية) الفائزة بمنحة (آفاق لكتابة الرواية) في دورتها الثانية، والتي جاءتْ في مئتين وأربعين صفحةً من القطع المتوسط، تحكي تفاصيل معاناة الفلسطيني ورحلة حنينه إلى جنته المفقودة، رحلة أشبه بالمعراج في ليلة غير صافيةٍ بل مليئة بالألغام، يصعد فيها الروح قبل الجسد إلى سماء الرغبة “صفورية/ فلسطين”، حيث منزل العائلة الأول ومهد الطفولة والذكريات.

* الكتاب: تذكرتان إلى صفورية (رواية)

المؤلف: سليم البيك (فلسطين/ فرنسا)

الناشر: دار الساقي- بيروت 2017

الصفحات: 240 صفحة

القطع: المتوسط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق