سلايدرقضايا المجتمع

الجولان المحتل وانتخابات السلطات المحلية

احتلت “إسرائيل” الجولان عام 1967 في حزيران/ يونيو، وهجّرت سكانه عدا خمسة قرى في أقصى شماله قرب الحدود مع لبنان، وحاولت إنشاء “كانتون” درزي بعد عامين، وتم إفشاله، وبدأت استغلال أرضه وزرع مستوطناتها فيه، وفي السبعينيات حاولت إقامة مجالس محلية في القرى، رفضها سكانها، وعام 1979 بدأت محاولة توزيع بطاقات هوية تضم الجنسية الإسرائيلية (أخذها سكان قرية الغجر) وتم رفضها من قبل سكان القرى الأربعة الباقية، عبر الوثيقة الوطنية عام 1981، وانتهت المواجهة بإضراب 1982 الطويل الذي كان عنوانه معركة الهوية، بإعطاء بطاقة لم تحدد فيها الجنسية.

كان السبب الرئيس لرفض الجنسية الإسرائيلية أن أهل الجولان يعيشون في منطقة سورية محتلة، انتماؤهم وجنسيتهم سورية، وهم من يُحددها بقرارهم المستقل، ورفضوا أن يتخلوا عنها. وبقي السكان يحملون بطاقة إقامة ذُكر فيها أن الجنسية “غير محددة”، ويخضعون لمجالس محلية تُعيّن وزارة الداخلية رئيسها وأعضاءها.

في العام الحالي، قررت سلطة الاحتلال الإسرائيلي ضمّ قرى الجولان الأربعة إلى انتخابات السلطات المحلية التي ستجري في 30/ 10/ 2018، مستغلة ما يحدث في سورية من قتل وتدمير وتهجير، ومستغلة ضعف الموقف العربي، وشعورها بقوتها بوقوف دول كبرى معها، وقد برز ذلك بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، واختراق طيرانها للأجواء السورية من دون معترض، فوجدتها فرصة لتحقيق رغبتها في اعتراف العالم بضمها إلى الجولان الذي أعلنته عام 1981، واستنكرنه القرارات الدولية، ووجدت في ذلك فرصة لإعادة إعطاء الجنسية الإسرائيلية للسكان، لتهيئة الظروف لكي يطالبوا بأنفسهم بها عبر من ينتخبونهم، للاعتراف من قبلهم بواقع الاحتلال والاندماج في مؤسساته.

وضَع قرار الانتخابات سكانَ القرى أمام سؤال كبير، حيث إنهم أقلية سورية في منطقة محتلة، والظاهر أنهم سيعيشون تحت الاحتلال مدة لا يعرفون متى تنتهي، بسبب احتلال بلدهم وضعف محيطهم، فكيف سيحافظون على شخصيتهم المستقلة ضمن هذا الواقع الصعب، وضمن محاولات التجنيس الممارسة التي تُخاطب الأجيال الشابة، وتغريهم بمستوى الحياة المرتفع والأمان النسبي الذي يعيشونه مقارنة بوضع أهاليهم في سورية، الذين يعانون التهجير والدمار ومستوى المعيشة المتدهور؟

جوابًا على هذا السؤال، بغض النظر عن من يمتلك الأغلبية، انقسمت ردّات الفعل عليه؛ إذ يحتجّ البعض بأن الانتخابات فرصةٌ ليقرروا مستقبلهم بأيديهم، عبر اختيار من يدير خدماتهم المحلية ويثقون به لتحسينها بدل أن يعينوه لهم، وأن المجالس المحلية وظيفتها خدمية لا سياسية، ويربطون هويتهم المستقلة التي حرصوا عليها، زمن الإضراب والانتماء إلى سورية، بممارسات السلطة فيها من قتلٍ وتدميرٍ ضد سكانها. بينما يرى آخرون أن الأمل بتحسين الخدمات عبر الانتخاب هو وهمٌ، ولن يستطيع من ينتخبونه ومن يثقون به أن يُحدث أيّ فرق في تحسين الخدمات التي يأملون، والدليل أمامهم من تجربة السلطات المحلية لدى عرب الداخل، وما جلبته من صراعات عائلية وقروية، وما لم تستطع تقديمه من تحسين لشروط الحياة لسكانها، بسبب خلفيتها السياسية والقانونية التي وضعت سقفًا للإدارة المحلية العربية لا يمكنها تجاوزه، حيث لم تستطع الحفاظ على أملاك قراها، ولا توفير السكن لأجيالها الشابة، وخاصة مع صدور قانون القومية العنصري الذي استثنى غير اليهود منه، وأن انتماءهم وهويتهم لاتحددها السلطة القائمة في سورية وممارساتها، لأن السلطة تتبدل لكن البلد والوطن يبقى، ويُذكّرون بأنهم يعيشون في منطقة سورية محتلة، وأن الاحتلال لا يمكن أن يدوم مهما طال أمده.

ما يحدث في الجولان المحتل، وما يحدث في سورية، وضَع أهالي الجولان، ووضع بقية السوريين أيضًا، على المستوى الفردي والجماعي، أمام أزمة انتماء وهوية، سببها خيبة أمل ومعاناة تجاه ما مرّ على سورية من ممارسات، لم يكن يتوقعها من يُفترض به أن يُمثل الوطن، ومن ادّعى أنه يُمثّل ثورة الحرية والكرامة التي أملها الجميع طويلًا، ولا بدّ أنهم سيجدون الحلّ المناسب، فتجارب التاريخ تثبت أنه في تغيّر دائم، وأن من سينتصر أخيرًا هو الإنسان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق