أدب وفنون

في بعض الوجوه الجمالية للقلعة الدمشقية

إحياءً لذكرى قلعة دمشق التي تقع في الجانب الشمالي الغربي من أسوار المدينة؛ استهلَّ الكاتب الرّوائي لؤي علي خليل روايته التي تحمل عنوان: وجوه القلعة (حفريّات قصصيّة)، عن دار ميسلون للطباعة والنّشر والتّوزيع، الطبعة الأولى، تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، بإهداء جميل إلى زوجته إسلام التي عانقت روحه، فتولّدت الكتابة وانبثقت نصوصه الحيّة وأحيت حروفه الإبداعيّة. علمًا أنّ كاتب الرّواية لؤي علي خليل، متحصّل على دكتوراه في الأدب الأندلسي والمغربي، من جامعة دمشق 2001 ويعمل أستاذَا مشاركًا في جامعة قطر.

لقد حملت روايته (وجوه القلعة) ذكرى جميلة لبعض من وجوه قلعة خالدة في التاريخ المعماري الإنساني، هذا الأثر المعماري العسكري الذي يبعث بنا إلى فنّ العمارة في العهد الأيوبي، حيث تمسح هذه القلعة حوالي 33176 م2. تعقّل كاتب الرّواية لؤي علي خليل جميع أبعاد القلعة الدّمشقيّة، وراقبها من اليمين إلى الشّمال، ومن فوق ومن تحت، وتفحّص من واجهة “الأمام” جمالها، وتمعّن من “الخلف” سرّها، ودقّق بعض من وجوه “العمق” الجميل. فكلّ الوجوه تنبثق منها جماليّة فريدة ورؤى حالمة، قام الكاتب بتجسيدها بكلمات شعريّة. لقد استحضر الرّوائي -من خلال ذكرى القلعة- حديثه مع جدّه حين سأله يومًا: ماذا يوجد داخل عمق هذه القلعة المجيدة؟ فأجابه: “في العمق جنان ساحرة، مكسوّة بورود ما رأتها عين بشر، وتجري بينها أنهار من لبن وعسل وخمر، تُسكر بغير سُكر”.

جمّع الرّوائي السّوري لؤي علي خليل أعذب اللّحظات المستحضرة من خياله الحالم، عندما كان طفلًا مُلهمًا بالبحث البريء، والاكتشاف الجميل، فأتت كلماته ناشدة شعريّة حروف موسيقيّة خالدة. لكن صاحب هذا الاستحضار البهيّ، كلمات الأب الصّادمة التي أيقظت سُكره بهذا الضَّرب من الحقيقة: “ليس في القلعة شيء ممّا قال، عمقُها ليس سوى سجن كبير، تاريخُه من تاريخُها، بل إنّها وُجدت من أجله. أرضُه مُلفّحة من نبات شيطانيّ…”.. أيقظت كلمات الأب في الطّفل الرّوائي، كتابةً أَحْيَتْ استحضار الزَّمن الجميل الذي كان قد توقِّف داخل هول السّجن العقيم. فكانت الصّدمة الحادّة والتمزّق البليغ، بين كلام الجدّ وقول الأب وحقيقة القلعة وجماليّة الحلم… فأيّ حديث يُصدّق، وأيُّ مسار يتّبع، وأيّ قلعة انبثقت منها المتضادّات؟

لقد استشكل الرّوائي لؤي علي خليل حكاية القلعة، بروح فاعلة وأهداف متبصّرة لوجوه معرفيَّة وفنِّيَّة وشِعريَّة في كتاباته المتحرّرة من كلّ حصار؛ إذ الشِّعري في الرّواية هو الذي يبدِّد الإشكال الغامض، وإنَّ طبيعة المدينة تطلُب حكاية لتتجلّى الرّوح الحيّة، لأنّ “مدينة بلا حكواتي مدينة بلا روح”، كما يُشير الكاتب منذ البداية. فالحكاية هي التي تُحيي التّوافق بين الإنسان والتاريخ، وتُشيّد البناء العميق لتاريخ قلعة التّاريخ الأصلي والإنسان الصّامد. فالحقيقة التّاريخيّة تقول بأنّ القلعة الدّمشقيّة تحتوي على ثلاثة أبواب مستطيلة، لكنّها غير منتظمة ولا مستقيمة. كما تتركّب من اثنى عشر برجًا. يتألّف كلّ برجٍ من طوابق عديدة، وفي كلّ طابق ردهة واسعة، عُقدت بحجارة ضخمة بأشكال مدبّبة أو عاديّة. ويوجد في كلّ طابق أربع أو خمس شرفات. لعلّ ما يُضفي جمالاً على قوّة هذه الأبراج في القلعة، هو البعد الفنيّ في جماليّة الزّخرفة الفريدة من الأعلى، وبهاء الأفاريز وفنيّة تصاميمها ونقاء الشراشيف المدرّجة ودقّتها وعظمة الأبواب المقرنصة وحكمتها..

لذلك رسم الكاتب لؤي علي خليل، في وجوه القلعة، شموخ تاريخ الحضارة السّورية، وأزمة الإنسان السّوري الذي يعيش هذه الحركة العميقة، في الرّجوع بالذّاكرة إلى الأصلي المجيد، يتجسّد فيها حسب قوله: بشر ليسوا مثلنا، نساؤهم قاصرات طرف، شعرهنّ حرير، وعيونهنّ مدى، وصوتهنّ في الخوض بوح، وفي الجهر غناء، وصدورهنّ نواهد”. لكنّ الإنسان السّوري اليوم يعيش ظُلم الواقع الذي خلّف في روايته عن القلعة: “بقايا مخلوقات كانت حيّة، وليس لديهم وقت إلّا للبكاء”. إنَّه يجسّد، تبعًا لذلك، هذا التَّوق الباحث عن أرض قلعته القويّة بصُمودها الخالد، فتنغرس الكتابة لدى الكاتب في وجدان القارئ الفطن داخل تربة إدراكه لتاريخ سرّ هذه القلعة الدّمشقيّة.

تتجلّى قلعة دمشق على أرض الكتابة الشعريّة في الرواية، كفعل عطاء يطلب تحرّرًا مقاومًا والتزامًا ما يزال يلبُسه منذ كان صغيرًا، فيستهدف حجارتها الضّخمة وقوّة ثباتها وقدرة جلالها. فكيف يُفعّل الإنسان السّوري كلّ هذه الحقائق تُجاه هذا العالم العصيّ؟ أليس الإنسان كائنًا تاريخيًّا يطمح إلى تثبيت ذاته الحرّة من خلال حضارته الحيّة؟ ألا تتماهى شخصيّة الإنسان مع طبيعة المعلم التّاريخي في صموده؟ ألا يمكن القول إنّ سماكة الجدران بالقلعة هي صورة من سماكة الشخصيّة السّوريّة وقوّة مقاومتها؟

شديدة هي حساسيَّة الكاتب لؤي علي خليل، تجاه التّاريخ في وجوه القلعة، فهو يحرص على الكشف عن بعض من جماليّة قلعته داخل ذاكرته، وانطلاقًا من روح الحكايات الطّريفة التي تُقدِّم الإجابة الأولى لاستشكالات الإنسان المُلحّة ولأحلامه المُتحيّرة. وبالتّالي، تبقى القلعة “شامخة تُبرز صدرها إلى السّماء، وتميل إلى اليمين تارة وإلى الشّمال تارة، كأنّها تُريد أن تنعتق من الأرض”. إنَّه أفق سعيد يسعى إليه الرّوائي السّوري، ويُرْتَسَمُ في تمثّل القارئ بجذور مستقبل حيّ.

لقد سعينا، من خلال بعض المقاطع الأولى من رواية وجوه القلعة (حفريات قصصيّة)، للبحث عن نسيج ممتدّ يشدُّ كلّ الوجوه الممكنة للجمال الإنساني، وللحبّ بين الحضارات، ولقوّة التّاريخ وللشموخ الذي يطلبه الإنسان وقوّة الالتزام وصُموده… على الرغم من العوائق القاتلة وألم فقدان الأرض وظلم الغربة الخانقة… ومع ذلك، فالرّوائي لؤي علي خليل يجتهد، اعتمادًا على التزامه قضيّته وعلى توجيهات عقله وتبصّر حلمه، في أن يُعاصر الواقع، فيبحث جادًّا عن حُلول واعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق