مقالات الرأي

سورية من ميادين النار إلى خطوط التماس الدقيقة

سيناريو العنف والعنف المضاد الذي بلغ نهايته، في معظم المناطق، فتح مرحلة جديدة من السيناريوهات تحمل في ظاهرها التهدئة والتحول من العسكرة إلى السياسة، ولكن للسياسة خفاياها وكواليسها في اللعب الخبيث على أوراق الصدام الناتجة عن تضارب المصالح التي تزيد من احتمالات التصعيد والفوضى، للحصول على مزيد من المكاسب أو لتثبيتها، خصوصًا أن التهدئة تعتمد الحفاظ على التوازن الدقيق في جميع أنحاء سورية، وليس ذلك بالأمر السهل، نظرًا إلى الكمّ الهائل من المصالح الإقليمية والدولية التي أصبحت متشابكةً في البلاد.

الدول الثلاث (إيران وروسيا وتركيا) التي نجحت في إنشاء آلية للتنسيق بينها، في محادثات أستانا، لم تنجح في إخفاء حقيقة الصراع فيما بينها، الذي يظهر جليًا في معظم الاجتماعات الساعية لتهدئة الصراع وإدارة المناطق. فاجتماع أستانا الأخير، في 7 أيلول/ سبتمبر، وما شهده من تصعيد بين الحلفاء إيران وروسيا من جهة، وتركيا من جهة ثانية، حول مصير مدينة إدلب، عاد للتوازن الجزئي في إقرار الرئيسين (بوتين وأردوغان)، عقب لقائهما في سوتشي بتاريخ 17 أيلول/ سبتمبر، بإقامة منطقة منزوعة السلاح بعرض يراوح بين 15 و20 كلم، على طول خط التماس بين مناطق المعارضة والنظام، على طول الحدود الإدارية لإدلب، بحلول 15 أكتوبر، والمشروط بأن تسحب كافة فصائل المعارضة أسلحتها الثقيلة من المنطقة، فضلًا عن انسحاب المقاتلين المتشددين، ومن ضمنهم مقاتلو (هيئة تحرير الشام/ جبهة النصرة).

الاتفاق بوضعه الحالي تستطيع تركيا تأمينه، وهو يحقق لها الكثير من الميزات بالإبقاء على إدلب منطقة نفوذ عسكري لتأمين حدودها ومناطق سيطرتها، لكنه بالنتيجة لا يخرج من حيّز الاتفاقات الأولية التي أدارتها أستانا في خفض التصعيد وتجميد الصراع آنيًا، مع إمكانية إعادة تفجير الأوضاع وإسقاط التسوية السياسية.

مثال إدلب ينطبق على اتفاق منبج في شهر حزيران/ يونيو الماضي، فالهدف الرئيس له هو تجنّب وقوع صدام عَرضي بين التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة مع الأتراك، وأي خطأ قد يحمل تداعيات سياسية خطيرة على العلاقة المتزعزعة أصلًا بينهما، وهو ما حدث عقب دخول شحنة كبيرة من الأسلحة والمعدات اللوجستية؛ ما أعاد التصعيد إلى منبج، خصوصًا أن “مجلس منبج العسكري” سيّر، فور تسلّمه للمعدات، دوريات داخل منبج ومحيطها، ليجعل من اتفاق الأمان والسلامة حدًّا لخط نار قادم.

أما الجنوب الذي عاد إلى الحاضنة السورية، في سياق التنسيق بين موسكو و”إسرائيل” وأطراف أخرى،  فقد دخل في إشكالات الجوار مع “إسرائيل” التي انتقلت من مساوامات إبعاد إيران عن الحدود، لتصل نحو إخراج إيران من سورية، وتلقي إيران الكثير من الضربات بموافقة من روسيا، وصولًا إلى اختلاف معلن بين “إسرائيل” وروسيا، عقب إسقاط طائرة (اليوشن- 20) الروسية بصاروخ دفاع جوي سوري، عن طريق الخطأ، ومقتل 15 ضابطًا وجنديًا روسيًا، في 17 سبتمبر 2018، ثم قيام روسيا في 3 أكتوبر  بإمداد القوات السورية بمنظومات الدفاع الجوي من طراز (إس – 300) التي لا تنفصل عن اتجاه روسيا في تعزيز قدرات الدفاعات الجوية السورية، وعن محاولات روسيا استعادة بعض الأوراق في ضبط المجال الجوي السوري تحت حجّة حماية أمن منشآتها وجنودها، وفرض رؤيتها حول كيفية حلّ الصراع، خصوصًا أن بوتين قد لا يتمكن من التوصل إلى حلّ وسط وناجح بين “إسرائيل” وإيران. فإقناع “إسرائيل” بالتوقف عن القيام بالضربات الجوية داخل الأراضي السورية، مقابل امتناع إيران عن تزويد النظام السوري و”حزب الله” بالسلاح، قد لا تمتثل له إيران، وتلجأ إلى الاعتماد على قوى محلية موالية لها، لعرقلة أي تفاهمات تتجاهل دورها ومصالحها في سورية، ويتقاطع ذلك مع استمرار الضربات الإسرائيلية لمواقع وجود القوات الإيرانية، على الرغم من وجود (إس – 300). وقد يزيد من التصعيد الأميركي ونشر المزيد من أنظمة الدفاع الجوي للحدّ من السيطرة الروسية وإغراقها أكثر، فواشنطن ليست مستعجلة على الحلّ، كما روسيا التي تدرك أن توافقها مع واشنطن هو الأساس لأي تسوية ممكنة، وأن عليها بالنتيجة الانصياع للشروط الأميركية.

نيّات إيران وسياستها التوسعية المتعارضة مع مصالح القوى الإقليمية والدولية الأخرى، وما تعانيه من ضغوطات كالحصار الاقتصادي والضربات الإسرائيلية، دفعتها إلى محاولة فرض وجودها ووزنها الإقليمي داخل الحدود السورية وخارجها، وكانت رسالتها الأوضح في هذا السياق ضربتها الصاروخية البالستية إلى بعض المواقع في مدينة البوكمال. وعلى الرغم من نتائجها المحدودة، فقد حققت هدفها في استعراض قوتها الصاروخية، وتأكيد أنها يمكن أن تعبر الأجواء العراقية بأمان، وتستهدف الوجود الأميركي شرق الفرات بشكل مباشر. فإيران التي تعتبر طرفًا في ملفات خلافية مع روسيا المحاصرة بين تلبية المطالب “الأميركية والإسرائيلية” بإخراجها وحاجتها إلى وجودها كقوة على الأرض، ومع أميركا المصرّة على خروجها من سورية، لديها القدرة على المناورة وإبقاء خط النار مفتوحًا بينها وبين أميركا بخروجها من سورية أو بقائها؛ ما يعني أن التهدئة في سورية تحتاج إلى شروط مختلفة، لن تقدمها أميركا لا لجهة التفاوض مع إيران حول بقائها أو بقاء وكلائها، ولا لجهة العودة إلى ما قبل الصراع، خاصة في ما يتعلق ببقاء النظام السوري في السلطة، والذي يدخل ضمن شروط سياسية عدة، وذلك على الرغم من توقف واشنطن عن الدعوات المطالِبة بمرحلة انتقالية وبرحيل الرئيس الأسد، والتي مهّدت له الطريق للتركيز على إعادة سورية تحت سيطرته بالكامل، مع الاستفادة من كل ما يدور على الأرض، من تصعيد أو تهدئة غايتها فرض التوازنات وتحقيق المصالح.

سورية التي انتقلت من ميادين النار إلى خطوط التماس الدقيقة، بين من أداروا دفة الصراع ويحاولون إدارة التهدئة، لم تدخل في مرحلة التسوية النهائية لمشكلاتها. لقد تُركت لسنوات ثمان تحت وطأة حرب محلية تدار بأيدٍ خارجية، أنتجت خللًا كبيرًا في ميزان القوى بين الأطراف الرئيسية على الأرض وتناقض مصالحها. فأطراف الصراع جميعهم يدركون أن انتهاء المعارك والقتل العبثي لن يكون بداية انفراج للسوريين أو خطوة باتجاه بناء مستقبل جديد لدولتهم، من خلال الدستور أو إعادة الإعمار، ما دامت معظم القضايا عالقة، ولا أحد يدير الدفة بطرح ترتيب جديد وجدّي لحلّ الجزء الكبير من الملفات المتشابكة فوق الجغرافية السورية، وأن المستقبل السوري سيبقى معلّقًا إلى حين انتهاء حروب ما بعد الحرب، وتوضح كافة المساومات الإقليمية والدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق