أبحاث ودراسات

على الطريق نحو سورية الإنسان والمواطن والمستقبل

في عالم غني بالتنوعات، تتسارع فيه التطورات والتغيرات، ويحفل بالأزمات والتناقضات وتضارب المصالح على المستويات الإقليمية والدولية، هبّت رياح التغيير على عالمنا العربي الذي أمضى ردحًا طويلًا تحت أنيار القمع والقهر والاستغلال، إذ هيمنت عليه جواثيم الفقر والتخلف والفساد، لكن هذه الرياح لم تنقلنا بعدُ إلى الشواطئ والموانئ المأمولة، وهي ما تزال -حتى الآن- في أكثر من بلد عربي، أشبه بعواصف عاتية تترافق بالدمار والخراب، لكن على الرغم من هذا الثمن الكبير، أخذت عجلات التغيير تدور، ومع أنها ما تزال تفتقر إلى كثير من دلائل التوجه الصحيح، فإنها أعلنت نهاية زمن الهجوع والخنوع، وأسقطت كثيرًا من الثوابت التي فرضتها علينا النظم الحاكمة على شتى الصعد، وعلينا الآن أن نبحث عن البدائل الصالحة، ونعيد طرح ومناقشة الثوابت السائدة؛ لنعثر على الأجوبة الصحيحة، ونصل إلى الحلول الحقيقية.

من أهم الأسئلة التي يجب علينا التعامل معها بصراحة وانتباه وحذر، سؤال يتعلق بهويتنا الوطنية، وعلاقة هذه الهوية بالقومية والدين والعرق، ففي خضم الصراعات الجارية في المنطقة، أصبح الانتماء والولاء للعرق والطائفة والملة هو الأساس، وهو المحرك الذي يحرك الغالبية ويحدد مسار حركتها وهدفها، فيما تراجع الشعور القومي والانتماء الوطني إلى أدنى المستويات!

بالطبع، هذه المسألة ليست وليدة هذه اللحظة، بل هي نتيجة موروث تاريخي قديم يمتد إلى قرون انحطاط الدولة العربية الإسلامية والاحتلال العثماني من ناحية، ومن ناحية أخرى هي نتيجة سياسات راهنة غابت عنها العقلانية أو هيمنت عليها المصالح الأنانية، فأفقرت البلاد اقتصاديًا وثقافيًا!

تاريخيًا، دخل الإسلام في القرن السابع إلى ما نسميه اليوم “الوطن العربي”، وهي مناطق كان فيها حضور العنصر الإثني العربي قليلًا كما في الهلال الخصيب، أو معدومًا كما في الشمال الأفريقي بما فيه مصر، وهاتان المنطقتان كانتا قد فقدتا سيادتها القومية الخاصة منذ زمن بعيد، وتبادل السيطرة عليها الفرس والإغريق والروم والبيزنطيين، لكنهما، وإن فقدتا كثيرًا من الخصوصيات القومية في تلك الآونة، حافظتا على هوياتيهما القوميتين بدرجة كبيرة، وأثرتا بالغزاة ثقافيًا ليس بأقل مما أثروا فيهما، إن لم يكن أكثر، حتى إن التأثير الثقافي الكبير لهذه المناطق يعود إلى مراحل ما قبل الغزو بكثير، فعدد كبير من معلمي وفلاسفة اليونان هم من الساحل السوري، وهذا ما تخبرنا به أساطير اليونان أنفسهم وكتبهم التاريخية. وعلى سبيل المثال، تقول الأساطير اليونانية إن اسم القارة الأوروبية يعود إلى الأميرة الفينيقية “أوروبا” (Europa) بنت أجينور ملك صيدا، التي خطفها الإله زيوس (كبير الآلهة اليونانية) عندما ظهر لها بشكل ثور أبيض وحملها إلى مملكته وتزوجها، وأطلق اسمها على الأرض التي تقع غرب اليونان، وفقًا لما اشترطته هي لقبول الزواج به، أما شقيقها قدموس (Cadmus)، الذي ذهب للبحث عنها في بلاد اليونان، فينسب إليه تأسيس مدينة “طيبة” أو “ثيبا” (Thebes)، ويرجع إليه تطوير الحروف الفينيقية لتناسب اللغة اليونانية؛ ومن الفلاسفة سوريي الأصل الذين لعبوا دورًا كبيرًا في إثراء وتطوير الفكر اليوناني زينون الصيدوني الرواقي، ذي الأصل الفينيقي، الذي ولد عام (عام 335 ق.م.)، ويعتبر مؤسس الفلسفة الرواقية، ويعرف بـ (زينون الكيتومي)، نسبة إلى مدينة كيتوم القبرصية التي ولد فيها، وثمة العديد غيره، وفي مراحل مختلفة من التاريخ اليوناني.

أما في ما يتعلق بالتأثير السوري على الرومان، فهو لم يكن بأقل منه على اليونان، على المستويين الثقافي والسياسي، لدرجة أن الشاعر الروماني جوفينال تحدّث باستنكار عن النفوذ السوري في روما فقال: “لقد أصبح نهر العاصي يصب في نهر التيبر”! وسياسيًا، وصل السوريون إلى العرش الروماني نفسه أكثر من مرة، حيث حكم روما كلٌّ من سبتيموس سفيروس وهو من فينيقيي شمال إفريقيا (193-211)م، وزوجته الحمصية جوليا دومنا، ثم شقيقتها جوليا ميسا، وابنة أختها جوليا ماميا، التي انتهى معها حكم هذه الأسرة عام 235م، ثم حكمها فيليب العربي ابن مدينة شهبا الواقعة في جبل العرب (244-249)م.

في المرحلة البيزنطية، دُمّر معظم التراث الفكري السوري القديم بذريعة أنه وثني، وغلب الشكل الديني المسيحي على الثقافة السورية، وبالرغم من أن السريان واصلوا لعب دور حضاري مميز في سورية، استمر حتى مرحلة متقدمة من العصر العباسي، وكانوا أصحاب الفضل في ترجمة كثير من الكتب العلمية والفكرية اليونانية بدعم من الخلفاء، فإن الحضارة السريانية كانت في شطرها الأكبر حضارة دينية.

عند دخول العرب حاملين معهم الإسلام في القرن السابع، بدأت سورية تفقد هويتها القومية وانتماءها الجيوحضاري، إن جاز التعبير، فهي في معظم تاريخها القديم كانت تنتمي إلى حوض المتوسط وترتبط به، وتتفاعل معه فاعلة فيه أكثر منها منفعلة، لكن مع انتشار الإسلام وحكم العرب، أدارت سورية ظهرها للمتوسط، ووجهت وجهها نحو جزيرة العرب، وشيئًا فشيئًا فقدت لغتها الخاصة، لتحل محلها العربية كلغة للثقافة، ثم تتحول إلى لغة محكية، وإن كان بالشكل العامي لا الفصيح.

لكن حتى في المرحلة العربية لم يكن الدور السوري هو الانفعال والتلقي، فدخول الإسلام إلى الحواضر ذات المستوى الحضاري المتطور في الهلال الخصيب ومصر، لعب الدور الأساس في تطور الحضارة العربية الإسلامية بجوانبها المختلفة، بما في ذلك نشوء التعددية المذهبية والفكرية.

مع تغلغل الإسلام في الحياة السورية، أصبحت سورية بشكل دائم جزءًا من دولة عربية إسلامية، وإن كانت هذه الدولة غير ثابتة، ومتغيرة في امتدادها الجغرافي وسلالة حاكميها.. وهكذا نسي السوريون جذورهم التاريخية، وصار معظمهم من ناحية الهوية الجماعوية مسلمين في المقام الأول، وعربًا في المقام الثاني، ولم يعد يعنيهم تاريخ ما قبل القرن السابع! واستمر الحال على تلك الصورة حتى بدأت مرحلة النهضة في القرن التاسع عشر!

مع انحطاط الحضارة العربية الإسلامية، التي انتهت باحتلال العثمانيين للعالم العربي، تكرست في هذا العالم -ومن ضمنه سورية- البنى الطائفية والعشائرية، وصار الانتماء إلى العشيرة والطائفة هو المحدد لهوية الشخص الجماعوية، وهذه الصورة لم تكن لتغيرها حتى اليوم، لا مرحلة النهضة الخجولة التي انتهت بخروج الأتراك ومجيء المستعمرين البريطانيين والفرنسيين، ولا مرحلة النضال الوطني التي انتهت بالاستقلال المترافق بنشوء الكيان الصهيوني، ولا مرحلة ما بعد الاستقلال التي آلت إلى أنظمة حكم ديكتاتورية، يسود تحت عباءتها وينتشر بشدة الفساد والظلم والفقر والقهر والتخلف.

صحيح أن وعيًا قوميًا عربيًا بدأ بالتشكل مع بدايات مرحلة النهضة العربية، واستمر وتطور متأثرًا بالفكر القومي الغربي، إلى أن تمخض على المستوى السياسي عن عدة مشاريع سياسية، أشهرها “المشروع البعثي” و”المشروع الناصري”، كما شهدت مرحلة ما بعد الاستقلال تشكيل كيان سياسي جامع هش هو “جامعة الدول العربية”، وشهدت أيضًا حركة تعريب على المستوى الرسمي، لكن مع الفشل في بناء الدولة والمجتمع العصريين، بقيت المشاريع القومية أسيرة السياسات الرسمية التي حولتها إلى مجرد خطاب أيديولوجي دعائي في نهاية المطاف، ونشاطات فكرية يغلب عليها الطابع العاطفي والنوستالجيا عند أكثر المثقفين العروبيين، وبقيت فكرة القومية العربية مرتبطة ارتباطًا جذريًا بالإسلام، دينًا وتاريخًا، ولم يتجرأ أي سياسي أو مفكر أو حزب عروبي على تبني العلمانية بشكل صريح، حتى إن مشيل عفلق نفسه أسلم! وعلى المستوى الشعبي بقيت فكرة القومية العربية سطحية، ولم تستطع منافسة الانتماء الديني، ولا الحلول محل الانتماءات المحلية والطائفية والعشائرية.

بجانب الدعوة القومية العربية الجامعة، ظهرت دعوات ذات طابع محلي، كالدعوة القومية السورية في الشام، والفرعونية في مصر، والأمازيغية في المغرب وغيرها، وهي بدورها -كالدعوة العروبية- متأثرة بالفكر القومي الأوروبي، وتعتمد العاطفة والحنين إلى الماضي.. أكثر من اعتمادها معطيات موضوعية وأسسًا علمية، وإن كان القوميون السوريون أجرأ في مجاهرتهم بالعلمانية من العروبيين.

اليوم، سورية تتمزق وتحترق في حرب صراع مصالح محلية وإقليمية ودولية، تستغل فيها الانتماءات الطائفية والعرقية بأبشع الأشكال، ومع أملنا بغد أفضل، نعيد فيه بناء سورية على أسس عصرية، لا بد لنا من طرح سؤال جوهري في هذا السياق، وهو سؤال “الهوية السورية”، وأن نجيب عن سؤال ما هي “القومية السورية الحقيقية؟” على أسس موضوعية وعقلانية!

ولكن قبل الإجابة على هذا السؤال، لا بدّ لنا من العودة إلى مفاهيم “الأمة” و”القومية” و”الدولة القومية” و”الهوية الوطنية”، والنظر في العلاقات القائمة بينها.

يعرّف (المعجم الوسيط) لمجمع اللغة العربية كلًا من الأمة والقومية كما يلي: الأمة: جماعة من الناس أكثرهم من أصل واحد، وتجمعهم صفات موروثة، ومصالح وأماني واحدة، أو يجمعهم أمر واحد من دين أو زمان أو مكان، يقال: الأمة المصرية والأمة العراقية. والقومية: صلة اجتماعية عاطفية تنشأ من الاشتراك في الوطن والجنس واللغة والمنافع، وقد تنتهي بالتضامن والتعاون إلى الوحدة، كالقومية العربية.

أما المعجم الفلسفي المختصر الماركسي المترجم عن الروسية، فيعرّف القومية كما يلي:

(القومية nation: من اللاتينية nation – قبيلة، شعب) – شكل تاريخي لوحدة (لاجتماع) الناس. إن القبيلة والقوم (نارودنست([1])) تتقدمان زمنيا على الأمة، ولكن هذه ليست استمرارًا مباشرًا وحتميًا لهما. وقد نبه لينين إلى أن الأمم نتاج حتمي وصيغة أكيدة للعصر البرجوازي في التطور الاجتماعي. أما المؤشرات الرئيسية للأمة فهي وحدة الروابط الاقتصادية والأرض واللغة.

فعلى هذه الأرضية، تنشأ وحدة الحياة الروحية والخصوصيات القومية للتكوين النفسي وللطبع وللثقافة وللوعي وللتقاليد. هذا في حين يرى الأيديولوجيون البرجوازيون وحدة التكوين النفسي والثقافي مؤشرًا أساسيًا، وحتى وحيدًا أحيانًا، فيما تؤكد الماركسية اللينينية، دومًا وأبدًا، ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الانشطارَ الطبقي للأمة، ولكل ثقافة قومية، وعلى الصعيد السياسي يكون من الأهمية بمكان معرفة ومراعاة درجة التمايز والانشطار داخل الأمة، والخصوصيات القومية لكل طبقة من طبقاتها([2]).

فيما يعرّف قاموس أكسفورد الإنكليزي الأمة (nation) بـأنها: مجموعة كبيرة من الناس يجمعهم أصل مشترك، أو ثقافة، أو لغة، وتقطن دولة أو إقليم معين. والمصطلح لاتيني الأصل وهو (natio) “أمة”، وجذره هو (nat-, nasci) “يولد”.

كما يعرف القومية (nationality) بأنها حالة الانتماء إلى أمة محددة. جماعة إثنية تشكل جزءًا من أمة سياسية واحدة أو أكثر. وتقول الموسوعة البريطانية عن الأمة: هي الناس الذين تصنع هويتهم المشتركة رابطة سيكولوجية ومجتمعًا سياسيًا.

وعادة ما تضم هويتهم السياسية خصائص مثل اللغة المشتركة والثقافة والعرق والتاريخ، وقد تجتمع أكثر من أمة في دولة، ولكن مصطلحات الأمة، والدولة، والبلاد غالبًا ما تستخدم بالتبادل، والدولة-القومية هي دولة يسكنها في المقام الأول شعب من قومية واحدة.

وتقول عن القومية إنها الانتماء إلى وطن معين أو دولة ذات سيادة. وتضيف: الناس، والشركات التجارية، والسفن، والطائرات جميعها لديها قوميات، والقومية هي أدنى مستوى من الجنسية، بقدر ما تعني هذه الأخيرة مجموعة كاملة من الامتيازات السياسية لا تتوفر في سابقتها، والدول لديها حقوق محددة لتحديد من سكانها سيكونون مواطنيها. الناس يكتسبون القومية عمومًا بالولادة داخل أراضي دولة معينة، أو عن طريق الوراثة من أحد الوالدين أو كليهما، أو عن طريق التجنس، والقومية قد تتغير أو تضاف أو تُنزع، إذا تخلى بلد عن سيطرته على الأراضي التي يعيش فيها المرء إلى بلد آخر.

وفي مسألة الهوية (identity)، يقول قاموس أكسفورد إنها حقيقة الكون “مَن” أو “ماذا”، أي شخص أو شيء. وأنها تعود إلى اللاتينية (identitas) وجذرها (idem) الذي يقابله بالإنكليزية (same) يعني “نفس (الشيء)”.

أما ويكيبيديا في نسختها الروسية فتقول عن الهوية: هي ملكةُ نفسيةِ الإنسان التي يمكنه بواسطتها أن يعبّر بشكل مركّز عن الكيفية التي يتصور فيها انتماءه إلى مختلف الجماعات أو الفئات الاجتماعية، الاقتصادية، القومية، المهنية، اللغوية، السياسية، الدينية، العرقية، وغيرها، أو هي مطابقة النفس مع هذا النموذج أو ذاك للإنسان، بصفته تجسيدًا للصفات التي تتمتع بها هذه الجماعات أو الفئات.

ما تقدم هو عينات من الأفكار السائدة في العالم المتقدم، عن مسائل الأمة والقومية والهوية والدولة، والغاية من سردها إبرازُ بعض مما هو موجود من تنوع واختلاف وتشابه في مقاربات مفاهيم كل من الأمة والهوية والقومية، فهذه المقالة ليست دراسة لتطور مدارس الفكر القومي والدراسات القومية وما يرتبط بها والمقارنة بينها، وإنما هي سعي لإعادة طرح ومناقشة هذه المسألة التي بتنا نعتبرها من المسلمات، على الرغم من أن هذه المسلّمات لا تقوم إلا على خطاب أيديولوجي مسيّس.. وفكر عاطفي حالم، وهذا أبعد ما يكون عن مقتضيات المرحلة الراهنة.. والمستقبل المأمول!

وبعد، يمكننا القول إن الأمة هي جماعة كبيرة من الناس التي تعيش في منطقة جغرافية واحدة، ويوحدها شعور انتمائي مشترك.. وهذا الشعور الانتمائي قد يكون عائدًا إلى روابط وأصول إثنية تاريخية، أو إلى وحدة ثقافية، أو إلى مصالح مشتركة، أو إلى كل أو بعض ذلك! فهناك أممٌ تعود في أصولها إلى أصل سلالي واحد، ينمو ويتغير ويتطور عبر الزمن، ولكنه، مع اختلاطه الجزئي بغيره، يبقى محافظًا على كيانه المستقل والمستمر، وكمثال على ذلك يمكننا الحديث مثلًا عن القومية اليابانية، أما الأمم التي تقوم على وحدة الانتماء الثقافي من دون أصل إثني جامع، فمثالها باكستان.. التي تشكلت على هوية دينية جامعة هي الإسلام، بينما يمكننا أن نضرب مثلًا على الأمم التي تجمعها المصلحة الإنسانية، بالولايات المتحدة أو كندا، وفي دول مثلهما تتطابق الأمة مع الدولة، والقومية مع الجنسية، وهناك بالطبع ثقافة جامعة، ولكنها تختلف كليًا عن شكل الثقافة التقليدي، كما هي الحال في باكستان، حيث يمكننا تسمية الشكل الثقافي الجامع فيها بـ “ثقافة الشكل المغلق” أو “ثقافة الكيان الثقافي المحدد”، فالثقافة في أميركا وكندا والدول الشبيهة بها، هي ثقافة ليس لها كيان ولا شكل محدد ثابت، بل هي ثقافة منفتحة، شديدة التنوع، وعالية الديناميكية، ويمكن أن نسميها بـ “ثقافة النموذج المفتوح”.

والأمم، من ناحية النشأة، يمكن توصيفها بالأمم الطبيعية، وهي التي تتحدر بشكل عفوي من أصول سلالية (كنموذج اليابان)، وأمم سياسية، وهي التي تقوم على أسس اجتماعية تلعب فيها الوقائع السياسية والعوامل الثقافة والنفعية الدور الأساسي (كنموذج باكستان) و(نموذج أميركا). أما من ناحية الدولة، فقد تكون الأمة متطابقة مع دولتها، كحال ألمانيا (على ما فيها من جاليات) أو أميركا (مع أنها أمة هجينة)، وقد تكون مقسمة إلى أكثر من دولة ككوريا مثلًا، وقد تكون جزءًا من دولة كـ تتاريا في روسيا، أو أسكتلندا في بريطانيا، وقد تكون موزعة كأقليات في عدة دول كالأكراد.

فماذا عن سورية؟

عرفت سورية منذ القدم تنوعًا وتمازجًا إثنيًا، سواء بالتوازي أو بالتتالي بالمفهوم الزمني، فقد سكنها العموريون والكنعانيون والآراميون، ومن ثم العرب، كما اختلط السوريون القدماء باليونان والرومان والفرس فترات طويلة من الزمن، وسورية اليوم فيها السوري المستعرب، والعربي، والسوري غير المستعرب، والكردي والأرمني والشركسي والتركماني وسواهم، ولديها لغة جامعة، إضافة إلى لغات فئوية أخرى، وفيها تنوع عقائدي إضافة إلى التنوع القومي!

لكن ما هي قومية سورية، وما هي هويتها الوطنية؟

عند الحديث عن “نحن” قومية، فيجب تحديد الإطار الزمني لهذه الـ “نحن”، والكلام في حدوده عن كوننا عربًا أو سوريين! وهذا يضع أي فكرة قومية على إحدى الأرضيات الثلاث التالية:

فإما هي قومية واقعية راهنة قائمة في الزمن الحاضر على غرار القومية الإيطالية أو اليابانية. أو هي قومية استرجاعية لحالة قومية حقيقية أو مزعومة، كانت قائمة في الزمن الماضي على غرار القومية العبرية المختلقة في مشروعها الصهيوني. أو هي قومية إنشائية مستقبلية ليست قائمة في الحاضر، ولم تقم في الماضي، ولكن لها في كل منهما درجة من الحضور، وفي هذا تشترك كل من القوميتين “العربية” و”السورية”!

إن الكلام على “قومية عربية” كأمر واقعي، هو كلام مناف للواقع الموضوعي والحقيقة التاريخية، وللماضي والحاضر، فسكان سورية تاريخيًا ليسوا عربًا، بالمعنى المحدد لمصطلح “عرب”، أي المعنى العرقي، فـ “الآرامي” -وهو مكون تاريخي مهم من مكونات الشعب السوري- كان مثلًا يميز نفسه من “العربي” وبالعكس، وكذلك كان حال الفينيقي والعموري، على الرغم من كونهم جميعًا من سلالات قريبة يمكن وصفها بأبناء العمومة، وعلى الرغم من اعتناق الإسلام والانتقال إلى اللغة العربية.. وفقدان الذاكرة السورية، فإن الشخصية السورية ما يزال لها خصوصيتها، وكذلك اللهجة السورية، والعرب المسلمون الأوائل والإسلام الوافد نفسه إلى سورية تفاعلوا مع السوريين ومع الثقافة السورية، وأثّروا فيها وتأثّروا بها، فلماذا يجب أن تتخلى سورية عن “سوريتها” لمجرد تغيير الدين واللغة؟! هذه إيطاليا مثلًا لم تعد تتكلم اللاتينية، وهي منذ القرن الرابع قد أصبحت مسيحية رسميًا، وهي اليوم دولة عصرية وتنتشر فيها الثقافة العلمانية، ولكنها ما تزال تحتفظ بشخصيتها القومية المستقلة!

فهل يمكن، بهذا المعنى، نفي عروبة قومية سورية؟ والقول بالتالي بسورية قومية سورية؟ على غرار حال إيطاليا؟! لكن أليس لدى إيطاليا شيء مهم قوميًا تفتقده سورية؟

إيطاليا لديها ذاكرتها التاريخية المتواترة والمستمرة، والإيطالي لديه الشعور بالانتماء الوطني والقومي إلى إيطاليا، وليس لديه أي شعور طائفي أو ديني أو عرقي ينازع هذا الانتماء، أما أغلبية السوريين، فليس لديهم اليوم ذاكرة تاريخية سورية، وذاكرتهم التاريخية ترتبط بالعرب والإسلام أضعافًا مضاعفة من ارتباطها بالتاريخ السوري، والسوري من هؤلاء ينتمي إلى سورية وطنيًا.. ولكنه لا ينتمي إليها قوميًا، ولديه انتماءات تتفوق على انتمائه القومي نفسه، كالانتماء إلى الدين والطائفة العشيرة، وهذا الكلام -وإن كان ينطبق بدرجة أكبر على السوري المستعرب والعربي المسلم- يشير إلى أن حال السوري المسيحي… والسوري غير العربي ليس بأفضل، فالكردي يعتبر نفسه من الناحية القومية كرديًا، وذاكرته التاريخية مرتبطة بكرديته، والسوري المسيحي بدوره شديد الولاء لطائفته المسيحية، وذاكرته التاريخية مرتبطة عمومًا بها!

والخلاصة مما تقدم هي أن القومية الإيطالية هي حقيقة حاضرة، تمكنت من النضج والتبلور لتصبح أمرًا واقعيًا، وهي تشكل الهوية الأساسية والعليا للإيطالي، فيما ليس لدى السوري مثل هذه الهوية لا عربيًا ولا سوريًا، حيث تحتل الهويات الفئوية الدينية والطائفية والعرقية هذا المركز!

وبالتالي؛ يمكن القول إن هوية سورية القومية هي -واقعيًا- ليست سورية ولا عربية، أي أن هذه الهوية القومية ليست موجودة بعد! وإمكانية ومشروعية قيامها هي أمر موضع أسئلة ومسائلات كبيرة!

وإذا أردنا الجواب عن سؤال: لماذا نحن إذًا سوريون؟ أو لماذا نحن عرب؟! أو لمَ لسنا كذلك؟ فإن الجواب يجب أن يعتمد ليس على المعطيات الماضيوية، ولا على الأفكار المجردة أو المقارنات والمقاربات ذات الخطوط العريضة، بل يجب علينا الانطلاق من الواقع الحقيقي بكل تفاصيله!

فإذا عدنا إلى إيطاليّة الطليان وقارناها بفرنسية الفرنسيين، وسألنا: بماذا يختلف الإيطالي عن الفرنسي؟ فإننا لن نجد خلافات ثقافية أو اجتماعية حقيقية معاصرة -عدا اللغة- بين الجماعتين، والخلاف يكمن بينهما هو في الوراثة القومية، فكل منهما ورث قومية أهله، والقومية الإيطالية تتميز بتاريخها الخاص ومخزونها الثقافي التاريخي الخاص عن الفرنسية، وبالعكس، وهذا كله عائد إلى الماضي، أما في الحاضر، فلا خلاف اجتماعيًا يذكر بين الاثنتين عدا اللسان، لكن كلتا القوميتين بقيت واستمرت بالتواتر!

وهذا يعني أن واقعية القومية الإيطالية تقوم على وجود الدولة الإيطالية، واللغة الإيطالية، والتاريخ الإيطالي المستمر، والثقافة الإيطالية المستمرة، رغم تغيرها عبر العصور، وعلى نضج الاندماج القومي وتبلور الشخصية القومية الإيطالية وفكرة الانتماء القومي نفسها.

لكن في الحالة السورية، فعلى الرغم من وجود الدولة، وهي كيان ضعيف وغير متبلور وغير راسخ بخلاف الدولة الإيطالية، ومن وجود بعض الخصوصية في اللغة (أو اللهجة) والثقافة، اللتين يمكن مقاربتها نوعًا ما مع الحالة الإيطالية، فلدينا انقطاع في التاريخ -تاريخ الانتماء- ولدينا بالمقابل تاريخ انتماء بديل أو على الأقل هو انتماء رديف، وهو الانتماء العربي، وليس لدينا الاندماج المجتمعي الكافي، ونضج شخصية الأمة القومية وشعور الانتماء القومي.

لكن هذا لا يمنع القول إننا سوريون بناءً على وجود الدولة، والخصوصية الثقافية. إلا أن هذا لا يعني أن هذه “السورية” هي استعادة لـ “سورية” ما قبل إسلامية، أو إحياء لقومية سورية تاريخية ماضية، عرقية الأصل، أو مكونة من اندماج عدة أعراق! فهنا تكون هذه “السورية” هي “سورية” حديثة تقوم على المواطنة والاجتماع، مع أنها ما تزال بعيدة عن مستوى التماسك والاستقرار الكافي، ومهددة بقوة بأخطار الشرذمة من قبل الانتماءات المللية الدينية والعرقية والذهنيات المتأدلجة المغلفة والنزعات العنصرية.

في الطرح القومي التقليدي، لا يختلف الطرح “القومي السوري” للسوريين القوميين الاجتماعيين تقريبًا عن الطرح العروبي، فكلاهما طرح، مع عدم عرقيته، يتأرجح بين الماضي والحاضر والمستقبل، ولا يقف على أرضية ثابتة، والقومية السورية على مستوى الهلال الخصيب ليست في الحاضر أكثر واقعية من القومية العربية على مستوى الوطن العربي، وكلتاهما مشروعٌ وليس واقعًا راهنًا، وعلى الرغم من أن المشروع “السوري القومي” لا يقوم على “عرقية أو إثنية سورية محددة” لكنه يعود ليؤسس على فكرة جماعة -أو أمة- سورية متجانسة قوميًا مزعومة تقوم مقام العرق، ويقيم تضادًا قوميًا بين السوري والعربي، من دون رؤية واضحة لماهية كل من هذين الانتماءين القوميين بمعزل عن العرق، بالرغم من اعترافه بأنه ليس ثمة عرق سوري محدد مقابل العرق العربي القديم، الذي يدخل بدوره في التكوين السوري كما يدخل فيه الآرامي والفينيقي وغيرهما!

الطرح السوري القومي الاجتماعي والطرح العروبي للقومية، كلاهما يقوم على فكرة أمة أو قومية موجودة، لكن وجودها افتراضي، أما على أرض الواقع فهي غير موجودة اليوم، ولم توجد في الأمس، ما يجعل كلا من الطرحين -فعليًا- عبارة عن مشروعي اصطناع قومية!

وعند امتلاك الوعي والجرأة الكافية؛ يمكننا أن نقبل مثل هذين الطرحين -من حيث المبدأ السياسي- كمشروعين مثل غيرهما من المشاريع كالمشروع الاشتراكي، والمشروع الليبرالي، وكذلك المشروع الإسلامي! فالقومية ليست حالة سرمدية مطلقة، إنما هي حالة ظرفية تنشأ وتصنع وتتغير.. وتزول أيضًا!

لم تعد “العرقية” اليوم الأساس الذي تبنى عليه الأمم والقوميات المعاصرة، وليس السبب أن كافة الأمم عرفت الاختلاط بدرجات أو بأخرى عبر تاريخها، ناهيك عن وجود الأمم الهجينة، والأمم اللاعرقية، ففكرة الأمة اليوم تجاوزت العرق بمفهومه السلالي، وتجاوزت حتى مفهوم “الجماعة القومية” المكونة من اندماج أعراق عديدة، والمشكّلة لوحدة بشرية اجتماعية متجانسة ذاتيًا، ومتمايزة عن غيرها، ففكرة الأمة الحديثة أصبحت مرتبطة جوهريًا بفكرة الدولة الحديثة، القائمة على “الاجتماع والسياسة” العصريين، حتى فكرة الدولة القومية نفسها.. لم تعد أساسية كما كانت في عصر البرجوازيات القومية، ففضلًا عما شهدته من تراجع جدي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، هي اليوم تتراجع بشكل متسارع مع ما يشهده العالم من عولمة على الصعيدين الاقتصادي والثقافي، تلعب فيها التكنولوجيا الحديثة -إضافة إلى العلاقات والظروف السياسية المعاصرة- دورًا أساسيًا، سواء على الصعيد الاقتصادي الصناعي والتجاري أو على صعيد التواصل والاتصال والتبادل الثقافي.

وبالتالي؛ إن استبدال فكرة “القومية العربية” الماضوية والعاطفية “بقومية سورية” من نفس الطبيعة، سيعمل على إبقائنا خارج الحاضر، وبناء عليه خارج المستقبل، فهو من ناحية سيمنعنا من التعامل مع قضية الأمة والشعب والدولة على أسس العلم والفكر المعاصرين، ومن ناحية أخرى سيبقي على حالة عدم الاندماج الراهنة بين مكونات الشعب السوري، فكل هوية قومية هي قومية فئوية، وطرح الهوية السورية، من قبل “السوريين القوميين”، على أساس قومي لن يختلف في المحصلة عن طرحها من قبل “البعثيين”، حيث إنه سيُبقي كلًا من الأكراد والأرمن والشركس والتركمان والآشوريين وسواهم في وضعية الدخيل، كونهم لا ينتمون إلى هذه القومية أو تلك، ولن يشعرهم بالمواطنة الكاملة، فكل من هؤلاء لن يتخلى عن قوميته الشخصية لصالح قومية الدولة الرسمية، ولن يتمكن من حل التناقض القائم بينهما، الذي لا يحل.

وأيًّا كانت الصيغة القومية التي سيتقدم بها القومي العربي أو القومي السوري التقليديين إلى الكردي؛ فإن هذا الكردي عند أي طرح قومي سيتمسك بكردية قوميته، وله الحق في ذلك، وهذا ينطبق أيضًا على الآشوري والأرمني والشركسي وسواهم، فالأرمني الذي يبقى أرمنيًا بقوميته في أميركا، ويعدّ أميركيًّا بالمواطنة وله كامل حقوق المواطن فيها، والكردي الذي يبقى كرديَّ القومية في ألمانيا، ويعتبر فيها -إن حاز الجنسية- ألمانيّا بالمواطنة، وله كامل حقوق المواطن كذلك، والشركسي الذي له نفس الوضع في روسيا، وأمثالهم، لهم ولسواهم جميعًا الحق في سورية بدولة سورية تعاملهم بنفس الطريقة تمامًا، ولا تشعرهم بأنهما أغيار عنها قوميًا.

ما نحن بحاجة إليه هو فهم عصري للقومية، عصري ينطلق من معطيات وضرورات الحاضر والمستقبل، ويلبي مقتضيات بناء الدولة الحديثة، الدولة الوطنية الديمقراطية، التي تتطابق فيها الأمة والشعب، وتتساوى فيها القومية بالمواطنة.

وإذا تكلمنا بدقة أكبر وواقعية أكثر، وأخذنا العبرة اللازمة من فشل المشروع القومي العربي الذريع وعواقبه السيئة؛ فلا بد من الاعتراف بأن ما نحن بحاجة إليه اليوم فعليًا هو طرح يتجاوز مفهوم “القومية” و”الدولة القومية” التقليديين، وسعي لبناء دولة المواطنة الوطنية الديمقراطية، ذات الهوية الإنسانية، التي تتعامل مع مواطنها بصفته إنسانًا، وتعطي لإنسانيته المركز والدرجة الأعلى في منظورها القيمي، وفي مثل هذه الدولة التي تقف على مسافة واحدة من مكونات سكانها القومية، ولا تتخذ لنفسها أي قومية، تصبح القومية مثلها مثل الدين شأنًا شخصيًا محضًا، وحقًا من حقوق الإنسان التي تستمد مشروعيتها من إنسانيته، فيتساوى أصحاب القوميات المختلفة في كل حقوقهم الإنسانية وواجباتهم الوطنية، بمعزل عن قومياتهم؛ وفي مثل هذه الدولة، يمكننا أن نجد الإنسان المتقومن، والإنسان غير المتقومن، أو الأممي أو الكوزموبوليتي، كما نجد المتدين وغير المتدين وغير المؤمن، والمتحزب وغير المتحزب، وهكذا دواليك من أصناف التعددية والتنوع وأشكال التعايش الحضاري السلمي.

إن ما قيل عن هوية الدولة القومية التقليدية وعلاقة الدولة مع القومية، ينطبق على هويتها الدينية وعلاقتها مع الدين، ففكرة إسلامية هوية سورية، أو استثنائية وضع الإسلام فيها وعلاقتها معه، ستجعل المسيحي، والعلماني أيضًا، غريبين عنها بنفس درجة الاستثنائية هذه، هذا عدا عن الإشكالية التي ستثيرها هذه الإسلامية بين الطوائف الإسلامية نفسها، والتي ستراها الطوائف الأقلوية في حقيقتها “سُنية” وليس “إسلامية”، وعندئذ ستجد هذه الطوائف نفسها في حالة عدم اندماج مع الدولة نفسها، على قدر هذه “الإسلامية الفئوية” بسبب اختلاف الهويات الطائفية، وستبقى بالنسبة إليها وبالنسبة إلى الطوائف غير الإسلامية الهوية الطائفية وهوية الدولة في مواقع اختلاف، إن لم يصل هذا الاختلاف إلى حد الخلاف والمواجهة، بسبب ما يترتب على هذه الهوية من مفاعيل واقعية معلنة أو غير معلنة، ترتبط بموضوع حقوق المواطنة الكاملة، وفي المحصلة لن تنضج الهوية الوطنية، ولن تنمو الروح الوطنية، وستبقى الملة والطائفة تنازع وتهدد الوطن.

الوطن لا يمكن أن يكون وطنًا حقيقيًا إلا إذا كان البيت الإنساني الذي يحقق فيه الإنسان، وينمي إنسانيته التي لا تنفصل عن الحرية والكرامة والعدالة والمساواة، ولا يكون وطنًا حقيقيًا أيضًا إلا إذا كانت له هوية حقيقية واحدة، هوية وطنية صرفة عليا، تتجاوز كليًا كل الهويات الأدنى، على مستوى القوم والدين والحزب وسواها، وينتمي إليها الإنسان، في هذا الوطن فقط بصفته إنسانًا ينتمي إلى هذا الوطن.

________

(1) narodnost) народность) هو مصطلح في اللغة الروسية يدل على مستوى الجماعات البشرية ما دون مستوى الأمة، بحيث يمكن مثلًا إطلاق هذه التسمية على حالة القبائل العربية في مرحلة ما قبل الإسلام.

(2) المعجم الفلسفي المختصر، دار التقدم، موسكو، 1986 ص62.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق