ترجماتسلايدر

استراتيجية من أجل سورية: إعادة تعريف النجاح

قبل أربع سنوات، بدأت الولايات المتحدة إرسالَ جنودها إلى سورية. أربع سنوات من العمليات، كانت كافية بالنسبة إلى القوات لمعرفة ما يجب فعله كلّ يوم بشكل واضح. وما هو غير واضح عنها هو: لماذا.

في آخر اجتماع في واشنطن، انتقد جنرال أميركي الإدارة الأميركية، بأن الولايات المتحدة لديها أهداف سياسية متعددة في سورية، لكنها لم تكن قادرة على تحديد أولوياتها أو إيجاد حلّ لها. هذه هي المشكلة. كثرة الطموحات لا توفر الطريق نحو النجاح. في وقتٍ تشجعت فيه الولايات المتحدة على اتخاذ نهج أكثر نشاطًا تجاه سورية، في الأشهر الأخيرة، تبيّن أن النهج الجديد لا يمكنه النجاح، في غياب نقاش أكثر جدية، حول الاستراتيجية الأميركية في هذا البلد [سورية]. وأن أهداف الولايات المتحدة ونيّاتها تحتاج إلى تعديل فيها.

لا تنحصر هذه المشكلة في إدارة ترامب. ففي الأيام الأخيرة من إدارة أوباما، اشتكى مسؤول كبير في البنتاغون، أنه كان قد طلب من الجيش العملَ في سورية، ولكن من دون تقديم استراتيجية واضحة. أرسلت الولايات المتحدة الأسلحة والجنود إلى سورية، ولكن مع شكوك عامة تجاه المشاركة العسكرية هناك، ومع وجود إدارة حذرة في الدخول في حرب مفتوحة في الشرق الأوسط، وعدم تأكيد تصديق الكونغرس على عمل عسكري، فإن لدى الولايات المتحدة نمط تعليق/ انتظار، أكثر من خطة للنصر.

في أوقات مختلفة وبطرق مختلفة، وضعت إدارة ترامب أربعة أهداف سياسية على الأقل لسورية: الأول هو هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (ISG)، استنادًا إلى قرار عام 2001 في استخدام القوة العسكرية (AUMF) ردًا على هجمات 11 أيلول/ سبتمبر. الثاني هو إيجاد حلّ لإنهاء الحرب السورية التي دامت سبع سنوات، من خلال تفعيل قرارات مجلس الأمن الدولي التي اعتُمدت بالإجماع. الثالث هو حماية حلفاء الولايات المتحدة وشركائها. أما الرابع فهو إخراج إيران من منطقة بلاد الشام.

كل هذه الأمور مقبولة، ولكن من غير الواضح: هل هي قابلة للتحقيق أو هل هي منسجمة. من المرجح أن يستمر تنظيم الدولة الإسلامية (ISG) لعدة سنوات قادمة، نوعًا ما في ظل الأزمة السورية، ونوعًا ما، من خلال الوكلاء والتابعين له في الأماكن غير الخاضعة للسيطرة والمراكز الحضرية في جميع أنحاء العالم. على الرغم من عدم كونها دولة، كما أنها لم تستسلم، فهي فكرة تعيش على فكرة البقاء على قيد الحياة، ومن المحتمل أن تدوم. وفي النهاية الأخرى [الهدف الرابع]، إن تجذر إيران العميق في الشرق الأوسط على مدى عقود سوف يستمر عقودًا قادمة. لقد كسبت، مع مرور الوقت، الولاء والدعم المالي والأخلاقي والدبلوماسي لتلك المجتمعات. إن تحريضها، ضد الوضع الراهن الذي يعتبره كثيرون غير عادل، قد حظي بالإعجاب خارج العالم الشيعي. فبينما نفوذ إيران الإقليمي يمكن –ويجب أن يتمّ- تقليمه، فإن التعهد بدفع إيران إلى داخل حدودها هو نوعًا ما بين الخيال والعبث.

هذه ليست المشلكة الوحيدة مع هذه الطموحات. في بعض الحالات، السعي وراء هدف منها يمنع السعي وراء هدف آخر. فالتوصل إلى حل سياسي للحرب الأهلية في سورية يوجب تنازلات. تأثير الولايات المتحدة أقلّ من تأثير أغلب المنخرطين في الأزمة، على الأقل من الإيرانيين. يجب إيجاد نوع من التوافق مع إيران وحلفائها. إن طرد إيران من المنطقة (بدلًا من الحد من وجودها) يقلّل من هدف تحقيق تسوية سياسية. كذلك، يساهم وجود إيران نوعًا ما في محاربة الجهاديين الذين قد تتجاوز كراهيتهم لإيران كراهيتهم للولايات المتحدة.

حاليًا، إدارة ترامب عالقة بين سلسلة من البيانات والخطط التي تترابط بسهولة وتتناقض في بعض الأحيان. في 4 نيسان/ أبريل 2018، أكد الرئيس ترامب لقادة الجيش أنه يرغب في عودة جنود الولايات المتحدة إلى بلادهم “خلال عدد من الأشهر”، وفي 24 أيلول/ سبتمبر، وعد مستشار الأمن القومي، جون بولتن، بأن جنود الولايات المتحدة سوف يبقون في سورية، “على مدى بقاء الجنود الإيرانيين خارج حدود إيران، وهذا يتضمن الوكلاء والميليشيات الإيرانية”. وقد حجبت الأموال المخصصة لإعادة إعمار تلك المناطق التي حُررت مؤخرًا من يد تنظيم الدولة الإسلامية (ISG)، وهي تعتمد على الآخرين، في توفير التمويل لإعادة إعمار سورية. يبدو أن الإدارة تسعى لتحقيق أهداف عظيمة، بقليل من الوسائل.

أول خطوة لتصحيح هذا المسار، هي تحديد الأولويات بشكل صحيح. الهدف الأساس لسياسة الولايات المتحدة يحتاج إلى ضرورة التوصل إلى تسوية في سورية، تخدم مصالح الولايات المتحدة. قد يكون الأمر مبالغًا فيه في رفع قدر العملية السياسية التي يتبناها مجلس الأمن الدولي، على أنها تتقدم على غيرها من العمليات التي تنطوي على قوة عسكرية أميركية. لماذا التفاوض، بدلًا من القتال حتى النصر؟ الجواب هو أن التسوية في سورية توفر العديد من الأهداف للولايات المتحدة، في حين أن غياب التسوية يقوّض هذه الأهداف. تضم سورية التي مزقتها الحرب مجموعة كبيرة من العناصر المعادية للولايات المتحدة، ولحلفائها ولمصالحها. وتعمل التسويات على نفس المنوال في عدم المبالاة بمصالح الولايات المتحدة الأميركية.

إذا تحوّل تركيز جهود الولايات المتحدة إلى شروط التسوية؛ فقد يتطلب ذلك تحولًا في العديد من الجوانب الأخرى لسياسة الولايات المتحدة. والأهم من ذلك أنه يجب تقييم الجهود الأميركية: هل تعزز النفوذَ الأميركي في المفاوضات أو تضعف هذا النفوذ. دخلت العديد من الإدارات الأميركية في النزاعات، على فرض أن الولايات المتحدة بحضورها سوف تكون هي الطرف المهيمن في أي مفاوضات. هذا خطأ. إن عدم فاعلية المفاوضات السياسية في جنيف، مقابل التقدم المحرز في تلك المحادثات التي تتم بوساطة روسية في سوتشي، وأستانا، وفي أماكن أخرى، هو علامة على عدم رؤية أن الولايات المتحدة شريك فاعل، في وقتٍ يوجب عليها أن تكون كذلك.

إحدى الطرق لضمان مكانة الولايات المتحدة كشريك فاعل هو من خلال دفعة دبلوماسية جادة. ساهمت الولايات المتحدة في تجميع أكثر من 60 دولة، في تحالف مناهض لتنظيم الدولة الإسلامية في سورية، ولكن للأسف لا يوجد تحالف مماثل يدفع باتجاه تسوية في سورية. كذلك يجب استخدام الوجود العسكري الأميركي في شرق سورية كنقطة تأثير ونفوذ، ويجب أن يكون استعداد الولايات المتحدة للمشاركة في إعادة بناء الاقتصادي السوري مطروحًا على الطاولة.

كل هذا لن ينتج عنه انتصار نظيف في سورية. لن يكون هناك انتصار نظيف في سورية. ولكنّ تحقيق هدف واحد [من الأهداف الآنفة] سوف يسمح بمتابعة العمل على الأهداف الأخرى. ليس هذا وحسب، بل سوف يمنح الجيشَ الأميركي والمسؤولين الأميركيين إطارًا استراتيجيًا لنشاطهم. ونحن على الأقلّ مدينون لهم بكثير.

العنوان الأصلي للمادة

A Strategy for Syria: Redefining Success

الكاتب

*جون ب الترمان

المصدر

مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن 22 تشرين الأول/ أكتوبر 2018

الرابط

https://www.csis.org/analysis/strategy-syria-redefining-success

المترجم

وحدة الترجمة والتعريب في مركز حرمون

 

*جون ب الترمان، النائب الأول في معهد بريزنسكي للأمن العالمي والاستراتيجي، ومدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق